انتباه

عدنان زاهر

 

قرأت في الأسبوع المنصرم خبرين أوردتهما صحيفتا سودانايل وسودانيز أونلاين والخبرين يتعلقان بالدكتور حسن الترابي بعد اتهامه من قبل السلطة الحاكمة بالتدبير لاٍنقلاب وسعيها لمحاكمته. الخبر الأول أدلت به وصال المهدي زوجة حسن الترابي المنشق من حزب المؤتمر الحاكم تقول فيه ما معناه، أن زوجها قد بلغ السبعين عاماً من عمره ولا يجوز قانوناً تطبيق حكم الاٍعدام عليه وكان ذلك في سياق ردها على تهديد عمر البشير في واحد  من خطاباته (النميرية) متهماً الترابي بتدبير الاٍنقلاب ومتوعداً (بقطع رأسه) !

الخبر الثاني جاء أيضا على لسان أحد زعماء حزب المؤتمر الشعبي يقول فيه ما معناه كيف يمكن محاكمة شخص (يقصد الترابي) بتهمة تدبير انقلاب وتنفيذه وهو متحفظ عليه في السجن ليس لديه القدرة على الحركة أو الاٍتصال بالآخرين.

والخبرين يدعوان للدهشة والتعجب والحيرة في آخر المطاف. والقارئ لهما وثيق الصلة بالسياسة في السودان ينتهي اٍلى استنتاجين لا بديل لهما وهو اٍما أن المتحدثين يفترضان في الشعب السوداني خرف الذاكرة وسذاجة لا حدود لها واٍما أيضاً ووفقاً لقناعاتهما الشخصية فعلى الجماهير أن تسمع ما يقولانه وينصاع له دون تفكير أو تمحيص أو ابداء رأي!!

ابتداءا نود أن نسجل أن ما سنقوم بمناقشته ليس الغرض منه التشفي أو سداد الثأرات ولكننا بصدد تأكيد مبادئ نؤمن بها ونعتقد أن تسود في العمل العام والسياسي بالتحديد وأن ذلك يتطلب كثير من الجهد، الأعادة، التكرار وشحذ الاٍنتباه.

أؤمن ايمان قاطع أن لكل شخص (ارتكب مخالفة للقانون دون الالتفات لماهيتها) الحق في محاكمة عادلة تطبق فيها كل الاٍجراءات القانونية المنصوص عليها، ويجب أن تسود تلك المحاكمة المبادئ القانونية التي اتفقت عليها الاٍنسانية في مواثيقها الدولية . اٍضافة الى كل ذلك يجب أن يعطى المتهم الحق الكامل في الدفاع عن نفسه أو بواسطة محامي ينوب عنه. ونعتقد أن الاٍتهامات الجزافية في الصحف تشكل مادة للقذف والاٍبتزاز بالاٍضافة لتأثيرها على سير العدالة. كما نتفق أيضا أن القوانين لا تجوز اعدام من بلغ السبعين عاماً ونضيف أن لنا تحفظاً حتى على عقوبة الأعدام. 

في اعتقادي أن كل تلك (الاٍيمانات) لا تمنع ولا تؤثر في التعليق على الخبرين بل أن هنالك حافز اضافي كونها تتناول شخصية الترابي. أسرة الترابي وأعضاء حزبه يحاولون بجهد محسوس استخطاب الرأي العام المحلي والدولي واستدرار عواطف المواطنين لاٍطلاق سراحه، وهم في محاولاتهم الحثيثة يستهدفون الذاكرة السودانية للتغبيش عليها ، تعطيلها أو حتى تحييدها. كما أن تلك المحاولات تعكس وتجسم (الاٍستكراد) السياسي و (سيركية) متهافتة لامتطاء وتدجين قوانين حقوق الاٍنسان لمصلحة آنية.

نحن نحاول اٍلقاء حجر  في الذاكرة الشعبية لتنشيطها وتنبيهها وتحديداً في ما يتعلق بالاٍعتقالات والمحاكمات السياسية ودور الترابي الأساسي في توجيهها اٍبان سطوته السياسية ، وذلك دون التطرق لكل ما تم على يديه من كوارث في حق الشعب السوداني .

حسن الترابي هو من خطط وشارك نميري اٍعدام الشيخ العالم الوقور محمود محمد طه الذي تجاوز السبعين عاماً عند محاكمته، ولم تشفع له سنينه السبعين ومناشدة المجتمع الدولي الاٍبقاء على حياته . نفر معتبر من أعضاء حزب الترابي كانوا أعضاء (جلسة) الاٍستتابة المهزلة وقضاة المحكمة (المهلاوي، المكاشفي) المفتقرة لأبسط قواعد العدالة والتي قضت باعدامه. كما شارك هو شخصيا في الاٍحتفال الهمجي الشبيه بالطقوس الدموية في القرون الوسطى وأفلام مصاصي الدماء حينما تم تنفيذ الاٍعدام بسجن كوبر بالخرطوم بحري. حسن الترابي كان يشغل في ذلك الزمن منصب المستشار الأول لنميري وكان الشخص الذي لا يمكن تجاهل كلمته أو الاٍشاحة عن رأيه. سأل دكتور حسن مكي ذو التوجهات الاٍسلامية و عضو حزب الترابي في احدى المقابلات الصحفية ، هل كان حسن الترابي موافقا على اعدام محمود محمد طه فأجاب مراوغاً (لم يكن معترضاً)!

نحن نسأل السيدة وصال المهدي وهي المشاركة في كل السياسات التي يصيغها الترابي في ذلك الوقت ألم يكن الأستاذ محمود محمد طه قد جاوز السبعين ساعة اٍعدامه؟!! وهل السبعين عاماً التي بلغها الاستاذ محمود تختلف  عن سبعين الترابي المستشار السابق لنميري ؟!! ألم يكن للأستاذ محمود أبناء وبنات أصبحوا أيتاماً بعد موته؟ وهل يمكن نسيان ذلك الحدث وتخطيه كأنه لم يكن؟!! أم ان كل ما حدث للأستاذ محمود و باقي الشعب السوداني ليس مهماً في عرفكم؟!! أن المواقف الحياتية المبدأية لا تنفصل عن بعضها.

حسن الترابي هو من سن وابتدع سياسة التعذيب في السودان كمنهج ثابت من مناهج التحقيق وأرسل كوادره الاٍسلامية لمختلف البلدان الموصومة بقهر شعوبها لاٍجادة تلك (المهنة) اللاأخلاقية.  وهو من أفتى لزبانية التعذيب بمشروعية ذلك السلوك باعتبار أن التعذيب في سبيل اعلاء كلمة الله لا يتعارض وصحيح الاٍسلام!!

التعذيب وفق مفهوم الترابي وفلسفته يهدف بشكل أساسي لكسر صمود المعتقل وتماسكه بمعنى آخر كان التعذيب وفق ذلك المنهج غاية في ذاته.

أنا شخصياً قد نلت حصتي من ذلك التعذيب مثل غيري من آلاف السودانيين وأسأل السيدة الفضلى هل سمعت وهل تعرف أن يعلق الشخص بين السماء والأرض ويضرب لعدة ساعات حتى يفقد وعيه ويحرم من أبسط الضروريات الاٍنسانية ابتداءا من قضاء الحاجة حتى الأدوية الماسة للحياة؟! كثيرون قد فارقوا الحياة تحت وطأة التعذيب وتلك عينة متواضعة. هل تعرف وصال المهدي أن تبحث عنك أسرتك لعدة شهور حتى تبلى ملابسهم وأحذيتهم لمعرفة مكانك متعرضين لكافة الاٍهانات والاٍستخفاف؟! ....... وهل ..............

حسن الترابي كان المسئول الأول والعالم بكل شاردة وواردة بتلك المعتقلات .

الترابي كان مسئولا مباشرا عن مقتل 28 ضابطا في أبريل (رمضان) 1990. وفي ظرف عدة ساعات بعد محاكمات صورية كالتي تحدث في جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية. اللواء عثمان ادريس بلول والعقيد محمد أحمد قاسم أحضرا من السجن ليتم تنفيذ حكم الاٍعدام عليهما بتهمة القيام بانقلاب لم يشاركا فيه. هل نسي هذا الاٍسلامي كل تلك الأحداث والوقائع وهو يتحدث ويبدي دهشته واستنكاره باتهام الترابي القيام بانقلاب وهو داخل السجن؟ أما كان الأحرى به أن يلقي بسؤاله هذا في ذلك الزمن لاٍنقاذ أرواح هؤلاء الضباط الذين تركوا خلفهم أطفالاً يتامى وزوجات أرامل أم أن الجاه والسلطة والمال والعنجهية في تلك الحقبة أخرس الألسن وأمات الضمائر.

كوادر الاٍسلاميين (الجبهة سابقا) من الحزبين المتعاركين على السلطة والثروة يسعيان لتحريف التاريخ وتسخير المواقف والقوانين لمصلحتهم. ونحن حين نستعرض تلك الوقائع والأحداث نهدف أن لا يتعامل مع التاريخ والأحداث السياسية السابقة كجزر منعزلة. وفي ذهننا تماما أن ذلك التجاهل ساد لعدم المسائلة. ووفقا لقناعتي فأن كل الطرفين المتعاركين غير مؤهلين لاٍقامة أي شكل من أشكال العدالة.

ولأننا ننادي بنظام ديمقراطي تسوده العدالة والمساواة أمام القانون ولكي يقوم ذلك المجتمع على أسس متينة وراسخة ومبدأية فأننا ننادي بـأن يشمل تطبيق تلك العدالة كل فئات الشعب السوداني بما في ذلك من ارتكبوا جرائم في حقه.

9 اكتوبر 2004