الرحيل
عدنان زاهر
وقفت العربة المتهالكة أخيرا أمام باب المنزل. كانت تبدو في وقفتها تلك كبطة أسطورية من كثرة ما تراكم على ظهرها من أشياء . عندما ترجل من العربة وجد هنالك سرباُ من الصبية يتحلقون من حوله ، أما البقية الأخرى فقد كان جزءا منهم يتعلق بمؤخرة العربة والآخر يجلس فوق عفشه و (كراكيبه). نظر حوله فرأى تحت الأشجار الممتدة عبر الشارع الصبية الأكبر سناً يقفون في كسل وخمول ويراقبون بفضول ما يجري. أدرك على الفور وبحدسه أن أباءهم وأمهاتهم يتابعون ما يجري أيضاً من منافذ غير مرئية له. تنهد بعمق وهمس (ملعون أبو دي حتة الواحد يسكن فيها).
تفكر لحظة ، عليه أن يطيل صبره قليلا طالما لم يكن لديه من خيار آخر للسكن ، كما يجب عليه أن لا يبدي شكلاً من أشكال الأمتعاض يمكن أن يلاحظ بواسطة سكان الحي ويحسب عليه خاصة أنه ساكن جديد في ذلك الشارع. بدأ في اٍنزال حوائجه بمساعدة السائق والأطفال يتقافزون من حوله كالضفادع. ثابر على صبره محاولا أن يبدو طبيعياً ورقيقاَ. أعطى السائق أجره و عندما هم باٍغلاق الباب كان الجزء الأكبر من الأطفال لا زال (يسرح ويمرح) بحرية في فناء المنزل. حاول أن يخرجهم بلطف وعندما لم يستجيبوا اضطر أن يدفعهم ويصفع الباب بقوة من خلفهم. تمتم مرة أخرى ولكن في هذه المرة بصوت أعلى وغضب مكتوم (....أبو دي حلة) .
زوجته وأبناءه قالوا أنهم سوف يأتون لاحقاً ، بعد قضاء بعض الحوائج في منزل جدتهم ، لا بأس من ذلك فوجودهم كان سيزيد من أعباءه ، اختار واحد من مقاعده المتناثرة في (الحوش) وجلس عليه بعد أن اختبر صلابة أرجله. بدأ يفكر في هذا الشارع وهذه المدينة التي حط بها من دون أن يخطط لذلك. مدينة نشأت في النصف الثاني من القرن العشرين وهي لذلك وبحساب عمر المدن مدينة حديثة. تمددت وتطاولت حتى بلغ عدد أحيائها الرابع والستين وشارف نهايتها الريف الذي كان يسافر اليه أجداده حتى زمن قريب في ليلة وضحاها. مدينة امتدت كاخطبوط لا حدود لها ولا قاع ولا تاريخ. كم يكره المدن الجديدة التي على تلك الشاكلة ولولا اصرار زوجته و(نقتها) التي استمرت أياما وليالي بلا توقف لما سكن بها. ناس (عبود) عندما قاموا باٍنشاء هذه المدينة كانوا يطمحون بتخليد التاريخ لهم . ومن ثم أصبحت المدينة الجديدة المتنفس الأول والمهم للمدينة الكبرى التي اكتظت (حيشانها) بالسكان. تلفت حوله متأملاً مساحة منزله الجديد فوجدها لا تتعدى الثلاثمائة مترا فقط يعلم أن كل المنازل في هذه المدينة بتلك المساحة ، أي شح جبل عليه هؤلاء العسكر حتى دفعهم لمنح ثلاثمائمة متر فقط لمواطنيهم من مساحة وطن يبلغ المليون ميل مربع؟! نسبة كراكاتورية ، لبلاد تجري فيها العربات الحديثة من شاكلة (الشبح) حتى تنقطع أنفاسها ، ولضيق أفقهم لم يراعوا حتى شراهة السودانيين في التناكح والتناسل والتفاخر بالأبناء!!!
هؤلاء العسكر شحيحون حتى في عطاءهم!!
عندما خطرت فكرة التناكح بذهنه لاحظ لأول مرة أن منزله يقع بين منزلين وله جار ملاصق من جهة الشرق والغرب. كيف سيكون العيش في تلك المنازل ذات المساحات الضيقة وهو يستمع اٍلى مناقشات وهمسات جيرانه من ذلك الوضع الذي يجلس فيه. كيف سيعاشر زوجته ضمن هذا الوضع ، بالطبع سيكون لقاءه بها مبثوثاً على كافة محطات ذلك الحي الفضائية. ألم يكن يكفي أن أبناءه بعد أن أصبحوا كباراً ، صار يتحين الفرص والظروف للقاء زوجته كاللصوص ليضاف اٍليه هذا الهم الجديد!! سرح برهة ثم عاد وطمأن نفسه بأن هذه المشكلة ليست مستعصية الحل واٍلا كيف استطاع الساكنين في هذا الشارع انجاب كل أولئك الضفادع الذين كانوا يتقافزون من حوله منذ دقائق مضت. السمسار (المنحط) أخفى هذه المسألة ولو نمت لعلمه لما كان قد تورط باستئجار المنزل. المهم سيحاول أن يناقش الأمر مع جاره والاٍستفادة من تجاربه كما سيطلب من زوجته أن تقلل من حركتها وصياحها!!
السمسار كان يتحرك بلا اٍيقاع ويتحدث كثيراً دون أن يعطي نفسه فرصة لاٍلتقاط الأنفاس. تحدث عن الميزات المهولة للمنزل والحي وكيف أنه عرض عليه مبلغاً ضخماً من قبل اٍحدى التجار الأغنياء لاٍستئجار المنزل ولكنه فضل أن (يبر) هذا المنزل لشخص محترم (مثله). ثم أضاف مذكراً بعمولته من جديد .
كان من ميزات هذا المنزل التي ذكرها، أن المنزل يقع بالقرب من مواصلات تربط بين خمسة مدن ، كما أن نساء هذا الحي لا يلحن في السؤال عند الحاجة وأهم من ذلك كله أن بقالاته الصغيرة تبدي قدرا من التسامح مع الساكنين الجدد وتقوم باٍقراضهم. حلف بالطلاق عشرات المرات و بين كل طلاق وآخر كان يضع أسفل شفتيه كرة من (الصعود). في حديثه كان يستدل بالأحاديث النبوية وبعض الأيات القرآنية واستخدام بعض المصطلحات الاٍنجليزية. توصل الجالسون في ذلك المكتب الصغير وفي اٍجماع تآمري صامت أن أفضل طريقة لاٍحتمال ذلك الرجل هي ألا يقاطعوه .
محمد صديقه والذي أتى به لهذا السمسار ذكر له أن هذا الرجل كان سياسياً جسوراً وممثلاً في عدة نقابات ومسئولاً مهماً في أحد الأحزاب. أقسم محمد ذاكراً أن الرجل كان يدخل المعتقل كما يدخل مكتبه كل صباح ، وكان مقنعاً تماماً وهو يتحدث عن المهمشين. واصل محمد حكايته، تحول صاحبنا فجأة - مائة وثمانون درجة. بدأت بانتظامه في جامع الحي وانتهت باٍنشاء هذا المكتب للسمسرة.
أهل الحي والمدينة حاروا حول تحوله المثير. (زقدة) الذي لا يعرف له عملاً منذ أن شب ويشاهد وهو يجلس تحت ظل حائط يطل على الشارع الرئيسي يرصد من خلاله كل شاردة و واردة في الحي والمدينة ، ويناقش بقدرات عالية كل شئ ابتداءا من السياسة وانتهاءا بكرة القدم وختان الاٍناث. (زقدة) يقول ( الزول دا كان كويس لكن في قبضته الأخيرة عذبوه وضربوه كتير ، وبعدما طلع قلبو خفه فدخل الجامع وعمل في السمسرة وقال أحسن الواحد يربي عياله ومالو ومال المشاكل أصلو السودان دا حق أبوه!!)
(( مؤمن )) الموظف السابق الكبير الذي أدمن الخمر وترك العمل منذ فترة طويلة وأصبح يعاقر الخمر ليلاً ونهاراً ويجلد كل صباح يحكي وهو منتشي وبكلمات من شخص يعلم ببواطن الأمور ( الراجل دا كان مسئول عن القروش في النقابة فترة طويلة ، والأيام الأخيرة أنا ملاحظ أنه ايدو كانت (باسطة) والواحد بشيل منه حق (النص) طوالي . قالوا عرف أنو في مجلس جديد دايرين يكونوه للنقابة وخاف يكشفوا أمره فطلع من الجماعة ودخل الجامع وبعدين السمسرة. أصله المال السايب بيعلم السرقة !!)
أما ((التاية)) العرجة والتي عاصرت السمسار منذ أن كان طفلاً وطيلة مسيرته السياسية الفذة فتقول باٍسلوبها "المقعد" ( هو كان بجيب عندي الورق المهم بتاعه، وكان كل شي يخاف ناس الحكومة يلقوهو كان بجيبو لي. في يوم من الأيام وأنا كده راقدة في أحلى نومة جاني الصباح بدري وصحاني . أخد كل الورق وحرقه قدامي وهو برطن بكلام عجيب وشكله كان برضو غريب ، زي ما تقول في جن راكبه ومزرقن عليه. ومن يوم داك دخل الجامع وخل كل شي واشتغل بالسمسرة بتاعته دي وبقى نادر ما يزورني. الراجل دا ما جبان ولا حرامي ولكن الجن اتسلط عليه. )
ذكر محمد أن الخبثاء في المدينة يقولون أنه من الصعوبة أن يمتطي سمسار مثله مهما أدى من حركات (أكروباتية) عربة (ليلى علوي) في فترة عام !! كما لاحظ آخرون ثراءا مفاجئاً على التاية العرجة.
واصل تداعياته. صديقه القديم والحميم (الظاهر) عندما قام بزيارته في مكتبه الفخم بالخرطوم وبعد فترة طويلة من الاٍنقطاع وقبل رحيله الى المدينة الجديدة ، ترك لديه انطباع منذ بداية الزيارة اٍنها بقصد التسول . كان قد سمع كثيرا ونقل اٍليه عن تغير الظاهر بعد ثرائه المفاجئ والمجهول وعن ضيقه بالآخرين وسلوكه المتصف بالعنجهية. كان في زيارته تلك عاقداً العزم أن يطلب من صديقه القديم مبلغاً من المال على سبيل السلف للظروف التي يمر بها ولكنه لا يدري لماذا أمسك عن ذلك. بدأ الحديث بينهما كالأصدقاء القدامى بتناول الذكريات القديمة والأيام الماهلة الحلوة ، أحس أن هنالك حاجزاً قد نما بينهما يحاول كل منهما بصعوبة أن يتجاوزه ، كان الظاهر يتحدث عن أبناءه في المدارس الأجنبية ورداءة التفاح المستورد من (كوستاريكا) ولطافة طقس جزر الكنارى في الأمسيات الدافئة. كان هو يومئ برأسه دليل الموافقة وأخيرا قرر أن يغادر. عندما ودع صديقه حاول الظاهر أن يدس في جيبه مبلغاً من المال، رفض في لطف ولكن في شكل قاطع. وهو في طريقه الى موقف العربات أحس بحزن عميق ينتابه وتحسر على الأحلام العظيمة والنبيلة التي جمعتهما معاً ، عشقهم البرئ لطالبات المدارس وجلساتهم البكر في الليالي الصيفية على شاطئ النيل. قرر شطب الظاهر من داخل خلية ذكرياته ، تحسس في جيبه آخر ما تبقى له من نقود وأسرع الخطى (لينحشر) في أول بص في طريقه اٍلى أمدرمان. لا يدري لماذا تذكر في تلك اللحظة حديث شقيقته له كثيرا (فقر وعنتظة).
قطع عليه تدفق ذكرياته طرقاً عنيفاً على الباب ، نظر حوله كان اليوم قد انسرق وبدأ الليل يلقي بظلاله. اتجه نحو الباب وعندما قام بفتحه كانت تقف هنالك زوجته واٍبنه البكر الذي لا يريد أن يفارقها وابنتيه التوأماتين. قالت له زوجته دون حتى أن تحييه ، أن عليهم ادخال الأمتعة والأشياء المتناثرة في (الحوش) وفوراً. ولأنه كان منهكاً ومحبطاً وليس لديه اٍستعداد للدخول في أي معارك كلامية وافق دون تعليق.
7 فبراير 2005