العنف المستتر

عدنان زاهر

 في القرن الحادي والعشرين والذي يوصف بأنه قرن تعزيز واحترام حقوق الاٍنسان، ضمنت منظمة العفو الدولية في اٍحدي تقاريرها الآتي (أن العرب قد احتلوا قائمة أكبر مستوردين للأجهزة والآلات الحديثة للتعذيب ذات التكنولوجيا المتطورة. أكد التقرير انضمام اٍسرائيل اٍلى قائمة أكبر المستوردين. شملت الأجهزة العصى والبنادق الكهربائية ذات الذبذبات التي تسمح باستخدام أجهزة تحكم اٍليكترونية كما تشمل ملابس خاصة للمساجين تسبب الآلام ويتم خلالها تعذيبهم عن بعد بواسطة التحكم الاٍليكتروني، بالاٍضافة اٍلى أدوات متطورة لقطع الأظافر ولتقييد الأيدي بصورة مؤلمة. وأشارت أن أدوات التعذيب تستورد تحت دعوى مواجهة الشغب والسيطرة على الأوضاع الأمنية.)

تقرير منظمة العفو الدولية يقودني بشكب مباشر اٍلى الحديث الذي أدلى به البروفسير الزبير بشير طه وزير الداخلية قبل يومين اٍلى البرلمان السوداني. قال الوزير ضمن تقريرين اٍلى البرلمان يسرد فيهما أداء وزارته العام الماضي وخطته للعام الجاري – التقارير مبتورة ومليئة بالثغرات والنواقص – متناولا مشروع التسليح الذي تعمل فيه وزارته للشرطة وقد ذكر متفاخرا ومتباهيا أن ذلك المشروع قد نفذ بنسبة 70% في العام الماضي وأن ذلك التسليح قد شمل (بنادق قناصة، طلقات مطاطية، غاز يدوي وآلي، أقنعة واقية من الغاز، صدريات واقية من الرصاص، نظارات ليلية وعصى بلاستيك.)

بالطبع من يسمع أو يقرأ هذا الحديث يعتقد أن المقصود بذلك التسليح هو الشرطة العراقية، الاٍيرانية، أو أحد أجهزة الأمن في جمهوريات الموز بأمريكا الجنوبية ولكن ليس هو السودان الذي نعرفه.

الوزير ذكر معللا ذلك التسليح "الرامبوي" للشرطة بأن ذلك هو حرص السلطة لتوفير الأمن والأمان للمواطنين. ومن ثم لتعضيد ذلك القول ولحشد التأييد لوجهة نظره ذكر:

1) أن معدل الجريمة قد وصل اٍلى 490 ألف بلاغ جنائي العام الماضي، دون ذكر تفاصيل الجرائم، نوعيتها والولايات التي تم فيها اٍرتكاب الجرائم ومقارنتها بالأعوام السابقة.

2) ذكر أن هنالك 48 تنظيما مسلحا بالعاصمة القومية وهو يوحي ويشير اٍلى أن تلك التنظيمات تهدد الأمن العام.

وليسمح لنا سيادة الوزير البروفيسر مناقشة الأسباب التي دعت وزارته اٍلى ذلك التسليح. اٍبتداءا نقول أننا نؤمن بتسليح الشرطة بالحد الأدنى المطلوب للحفاظ على أمن المواطن والحماية الشخصية للشرطة على أن يضبط استخدام ذلك السلاح القانون.

بعد ذلك نأتي ونبدأ بمناقشة السبب الأول وهو اٍرتفاع معدل الجريمة، بالضرورة الوجهة البديهية لمحاربة الجرائم تستدعي الغوص والبحث لمعرفة جذور تلك الجرائم والأسباب المفضية اٍليها ومن ثم العمل على القضاء على تلك الأسباب وضمان زوالها. وقد اٍتفق علماء  القانون والاٍجتماع والدين والسياسة على أن أحد أهم الأسباب التي تؤدي لاٍرتكاب الجريمة هو الفقر والحاجة وذلك دون اٍنتفاء أسباب أخرى. وفي حالة السودان فأنه ليس خافيا لأحد ذو بصر وبصيرة أن الأسباب الجوهرية لاٍزدياد معدل الجريمة هي الظروف الاٍقتصادية المتردية والضائقة التي ألمت بخناق المواطن السوداني هذا من جانب، أما من الجانب الآخر فهي الحروب التي شملت أجزاء واسعة من أرض الوطن واٍفرازاتها السالبة كالهجرة العشوائية، التفكك الأسري، البطالة...الخ.

ووفقا لمعلوماتي المستقاة من مصادر متعددة واهتمامي – بحسب المهنة – فأن نسبة كبيرة من الجرائم ترتكب ضد المال العام والخاص. واٍزدادت بشكل لافت جرائم الاٍعتداء على المال العام والذي أصبح حلالا مباحا في زمن الاٍنقاذ. اٍضافة اٍلى هذا فقد اٍزدادت جرائم الاٍحتيال والشيكات المرتدة والمحررة بدون رصيد.

بناءا على ما ذكرنا يحق للمواطن المغلوب على أمره أن يتساءل وهو يتابع تقرير الوزير، كيف يمكن القضاء على جريمة الاٍعتداء أو "أكل" المال العام ببنادق قناصة؟! أو كيف يمكن محاربة جريمة الاٍحتيال أو تحرير الشيكات دون رصيد بالأقنعة الواقية من الغاز والطلقات المطاطية؟! أو حتى كيف يمكن التصدي لجرائم السطو المنزلي الليلى بالغازات المسيلة للدموع؟!

أن القضاء على الفقر يتم عبر السياسات والبرامج العلمية المخطط لها والتي تستهدف جماهير الفقراء، تتم عبر القضاء على البطالة وتوفير المساواة والعدالة بين الناس، تتم عبر توفير فرص العمل واٍيقاف سياسات التشريد التي تؤدي اٍلى تفكك الأسر. كما أن محاربة جرائم الاٍعتداء على المال العام تتم بسياسات ضبط المال السائب والمباح. 

أما اٍيقاف الحروب فيتأتى فقط بالتأسيس للسلام في تلك المناطق من خلال مشاركة المواطنين في الثروة والسلطة والقضاء على التفاوت الاٍقتصادي والاٍجتماعي.

السبب الثاني الذي اٍستند عليه الوزير وهو وجود 48 تنظيما مسلحا في العاصمة تصعب السيطرة عليهم تبرز تساؤلات موضوعية يفترض الاٍجابة عليها ، فحسب ما هو معروف ومعلن عنه ووفقا لاٍتفاقية نيفاشا فأن الحركة لديها الحق في وجود 1200 جنديا في عاصمة البلاد بأسلحتهم الخفيفة وأن يكون مقرهم معروفا، وذلك بالتنسيق مع أجهزة أمن الدولة والحركة الشعبية وحسب ما هو متوافر من معلومات فقد تم ذلك. نحن نتساءل من أين أتت كل هذه التنظيمات التي تحدث عنها الوزير؟! وكيف نشأت؟ وكيف تمددت وتكاثرت بشكل سرطاني جعل الحكومة تفقد السيطرة عليها؟

ولكي نوفر للوزير الاٍجابة ونكفيه عناء التفكير والتبرير، فنقول له أن التنظيمات التي يتحدث عنها قد قامت ونشأت بمعرفة السلطة ودعمها وتوجيهها. وقد كانت ولا زالت تستخدم كترياق للحركة الشعبية وقد تستخدم في أغراض أخرى. وهم بمثابة جنجويد العاصمة المثلثة والسلطة قادرة اٍذا أرادت على نزع سلاحهم وتسريحهم.

بعد كل هذا نقول أن الأسباب التي اٍستند عليها الوزير في تسبيبه لتسليح الشرطة بذلك العتاد الحربي هي أسباب واهية أو هي غطاء للأسباب الحقيقية الأخرى التي لا تريد السلطة الفصح عنها. وفي اٍعتقادنا أن الأسباب الحقيقية والمقصودة هي حماية النظام والاٍستعداد للتصدي لأي تحرك معارض لسياساته.

 أخيرا نقول أن تجارب الشعوب المكتسبة، عبر تاريخ الاٍنسانية الممتدة لسنوات طوال تلفت الاٍنتباه اٍلى أن الحكومات التي تأتي على أسنة الرماح للسلطة تحافظ على بقاءها في السلطة بعنف الدولة. ذلك العنف المتمثل في القوانين التي تسنها لقمع الحريات وتكميم الأفواه أو بالتسليح المباشر لأجهزة قمعها، وسلطة الاٍنقاذ ليست اٍستثناءا من هذه المقولة مهما حاولت تغيير هيئتها باٍرتداء قبعة ومعطف الديمقراطية.

6 مايو 2006