ذكريات من الانتفاضة – حكم الشعب

 عدنان زاهر

6 ابريل ذكرياتها تثير كثير من الشجون، تجعل القلب يخفق بعنفوان الشباب آملا، يأتيه ذلك اليقين المطمئن بأن الشعوب لا تستكين للظلم و الاستبداد مهما طال الزمن. فى صباح ذلك اليوم كنا اربعة اصدقاء، نستمع باهتمام و أعصاب تكاد من توترها أن تتمزق اٍلى الراديو القابع في ركن الصالون القديم في أحد منازل فريق ريد بالموردة، اٍلى صوت المشير سوار الدهب وهو يذيع البيان الأول للمجلس العسكري الاٍنتقالي. عند انتهاء قراءة ذلك البيان النمطي والذي تتصف به عادة البيانات الانقلابية، انهال علينا احباط، حسرة وحزن عميق. كان الشعور العام والتفكير الصامت الجامع بيننا أن هنالك جهة ما تقوم "بنشل الانتفاضة"، أو فرملتها والحيلولة بينها وبين الوصول اٍلى غاياتها. عندما ترجم ذلك التفكير الصامت اٍلى حديث كان الاٍتفاق بيننا تاما. توصلنا اٍلى أن ذلك المجلس العسكري مريب التكوين والهدف، كما اتفقنا أيضا اٍلى أن ذلك التحرك العسكري لن يكون بأي حال من الأحوال في صالح الاٍنتفاضة. توصلنا اٍلى ذلك الاٍستنتاج حتى قبل أن يطلق الراحل الزعيم جون قرنق على ذلك المجلس صفة "مايو 2 أو مايو الثانية". المستقبل أكد كثيرا من صحة استنتاجاتنا فقد عمل المجلس منذ بداياته وبكل الطرق لاٍعادة الجبهة القومية الاٍسلامية في ذلك الوقت - حاليا جماعة الاٍنقاذ- للحياة السياسية، وهم الذين كانوا ساعد نميري الأيمن ومشاركوه في كل جرائمه ومؤامراته. عمل المجلس العسكري وبكل جهده على بقاء قوانين سبتمبر ثم قام بتفصيل قانون للاٍنتخاب آتيا بالجبهة من الباب الأمامي لتنافس على السلطة. لذلك لم يكن مستغربا أن يكتشف لاحقا أن أحد أفراد المجلس العسكري الاٍنتقالي ووزير الدفاع اللواء عثمان عبدالله قد طالب مجلس الأمن القومي لنميري باطلاق النار على المتظاهرين حتى الموت اٍبان ذروة الاٍنتفاضة 1. أو أن التوازنات السياسية في ذلك الوقت تأتي برئيس للوزراء "الجزولي دفع الله" وكان واحدا من أشد مناصري قوانين سبتمبر سيئة الصيت والتي أذلت الشعب السوداني (كان من أوائل النقابيين الذين أبرقوا نميري يهنئونه بوضع الشريعة موضع التنفيذ. رسالة التأييد أذيعت على موجات اٍذاعة أمدرمان ونشرت في الصحف التابعة للنظام.)2  أو أن يعين لاحقا رئيس المجلس العسكري الاٍنتقالي المشير سوار الدهب رئيسا لمنظمة الدعوة الاٍسلامية!

المهم بعد اٍذاعة البيان الأول خرجت جموع الجماهير اٍلى شوارع العاصمة مهللة فرحة بالخلاص من كابوس نميري. خرجنا نحن الأربعة اٍلى الشارع رغم الاٍنقباض الذي كنا نحس به. كانت الجماهير من شتى نواحي أمدرمان مندفعة كالسيل نحو الخرطوم بشارع الموردة. النمط القالب للمظاهرات في تلك الأيام كان النمط "الجنوب أفريقي"، والذي يتمثل في الجري الوئيد مع خلع الملابس العليا والغناء والهتاف. منظر المظاهرات كان مهيبا وهو يتجه بالقرب من المكان الذي نقف فيه. صديقنا "أ.م" كان أكثرنا غضبا وتطرفا ذلك اليوم، بالرغم من أن ذلك يخالف طبعه تماما. ذكر لنا أنه سوف يخاطب الجماهير منبها بأن ما تم في ذلك اليوم هو انقلاب ومحاولة لسرقة الاٍنتفاضة. قلنا له أن لا يفعل ذلك، لأن الوقت والظروف غير مناسبين. أضفنا أنه لايستطيع أن يقنع جمعا مندفعا وفرحا باٍزالة نظام ديكتاتوري كنظام نميري، بأن من قاموا باٍذاعة البيان ومن يشيدون بالشعب الآن لا يختلفون كثيرا عن جعفر نميري. لم يرد صديقنا على حديثنا وظننا أنه قد اقتنع بوجهة نظرنا. عند وصول الجماهير اٍلى المكان الذي نقف به، تصدى لها رافعا أذرعه عاليا ومطالبا بالصمت. عندما صمتت الجماهير المندهشة، ذكر لها أن ما تم ما هو اٍلا انقلاب عسكري ولا يختلف في شئ عن نظام نميري. وجمنا نحن بل تجمدنا في أماكننا. وما هي حتى لحظات حتى صاح أحد المتظاهرون ومشيرا اٍلى صديقنا ومحرضا للجماهير (بتاع أمن، بتاع أمن نميري)، وكان يشير اٍلى جيب صديقنا الأمامي. صديقنا كان يعمل ضابطا في الطيران المدني، وبطاقته كانت في الجيب الأمامي من قميصه الشفاف، وهي اٍلى حد كبير تشابه بطاقة القوات النظامية. ودون أن يستطيع أن يدافع عن نفسه أو يفهم شيئا كان قد نال عدة صفعات من الجماهير الغاضبة على وجهه وقفاه وبدأ أن الجماهير ستقوم بالفتك به أو بنا. كان من العبث في تلك اللحظات أن نقول لهم أن صديقنا مخطئا في تقديراته وأننا ننتمي اٍليهم، أو أننا ظلننا لعدة أيام نتظاهر في الطرقات دون نوم، أو أننا طيلة سنوات ظللنا نعمل وننتظر مثل هذا اليوم، أو ....الخ.

لا أدري كيف حدث ذلك، فقد تقدمت اٍلى الأمام وذكرت لقائد الجماعة أن صديقي لا يعمل في جهاز الأمن ولا علاقة له بالأمن. التفت القائد ونظر اٍليّ شذرا، متوعدا ثم سائلا من أكون. أجبت بهدوء أنني أعمل محاميا "كنت أعلم أن الجماهير في تلك الأيام تقدر للمحامين دورهم في التجمع والاٍنتفاضة". أمرني القائد بصوت عال أن أثبت ذلك، فمددت له ببطاقة المحاماة وأنا في تمام اليقين أنه في ذلك اليوم لا توجد سلطة في السودان غير سلطة الجماهير. تأملها ومجموعة من حوله مليا، ثم أعادها اٍليّ سائلا عن البطاقة التي يحملها صديقي في جيبه الأمامي. أخرج صديقي البطاقة وسلمها اٍليه، ذاكرا أنه يعمل في الطيران المدني ولا علاقة له بالأمن. بعد أن قاع ومجموعته بفحص بطاقة صديقي والتأكد منها، أمرنا أن نبتعد عن الطريق. اندفعت جماهير المظاهرة نحو الخرطوم وهي تردد هتافاتها العالية. ابتعدنا سريعا ونحن لا نكاد نصدق أن ما وقع حقيقية. كان حكم الشعب علينا موجعا ولكنه كان عادلا!

____________

1،2 – السودان أهوال الحرب..وطموحات السلام

  قصة بلدين – د. منصور خالد