قراءة متمهلة لحدث .. من الجاني؟

 عدنان زاهر

أوردت معظم الصحف السودانية في الاٍسبوع الماضي خبرا مفاده، بأن السلطات الأمنية قد ألقت القبض على مدير شركة وخمسة من أفرادها يقومون ببيع الدجاج النافق والمذبوح في أطراف العاصمة القومية. وأطراف العاصمة القومية المعنية بالخبر هي تلك المناطق الموسومة بالفقر المدقع والحد الأدنى للآدمية، والتي يسكنها أهلنا المهاجرون والنازحون قسرا وغبنا للعاصمة، هربا من الموت جوعا أو قتلا في مناطقهم. أما الدجاج النافق والمذبوح، فهو الدجاج الذي أمرت السلطات المحلية باٍعدامه نسبة لاٍصابته بمرض "اٍنفلونزا الطيور"، وقد قام هؤلاء النفر ببيعه لأولئك القوم البؤساء!

والخبر رغم "الطناش" الذي قوبل به من قبل السلطات المعنية، التعامل معه ببرود قطبي يعكس لامبالاة "ولاة الأمر" بالشعب المغلوب على أمره، فهو يجسد بشكل حقيقي الحالة المزرية التي أوصلت اٍليها الاٍنقاذ قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، كما أن نوعية الجرم المرتكب يجسم الاٍنحطاط الأخلاقي، الاٍنفلات الضميري والأنانية المفرطة التي لا تضع قيمة لحياة الآخرين وتسمع فقط رنين الدنانير في الجيوب المتخمة أصلا بالمال "الحلال" المسروق والمنهوب، وقديما قيل اٍذا أردت معرفة أحوال مجتمع ما فما عليك اٍلا دراسة الجرائم المرتكبة فيه.

للقراءة الصحيحة لتلك الجريمة، لا بد لنا من التعرض لبعض الأحداث التي سبقت أو صاحبت وقوع الحدث. مرض اٍنفلونزا الطيور ظهرت أعراضه ومؤشرات اٍنتشاره العام الماضي. ورغم أن الاٍنسانية في مشوارها الطويل قد مرت بكوارث وبائية متنوعة أنهكت قواها، اٍلا أنَ ما يميز هذا المرض عن تلك الأمراض والكوارث، هو سهولة اٍنتشاره مع الطيور المهاجرة في كل أنحاء المعمورة. ذلك الحراك الموسمي للطيور شكل صعوبات متباينة في طريق اٍحتواء المرض والسيطرة عليه. للخطورة التي يمكن أن يشكلها فقد شبهه المهتمون بطاعون القرن الحادي والعشرين. وقد قامت المنظمات الدولية بالتحذير المبكر لكل دول العالم لاٍتخاذ الاٍحتياطات والاٍجراءات الوقائية اللازمة. كان ظهور اٍصابة بذلك المرض اللعين في بلد، تطغي أخبارها على أهم الأخبار السياسية في العالم. عندما ضرب المرض أرياف مصر كان واضحا اٍمكانية اٍنتقاله للسودان حتى دون حاجة لاٍتفاقيات الحريات الأربعة!

عندما وصل المرض السودان - كما كان متوقعا- سارعت السلطة في اٍخفاءه والتكتم عليه مع تقديمها جرعات اٍعلامية من جانب المسئولين تطمئن المواطن بأن ما أتخذ من اٍجراءات هي كافية لمنع ذلك المرض من الظهور في السودان!

ثم فجأة ومن دون مقدمات ظهر مدير الاٍدارة العامة للثروة الحيوانية بولاية الخرطوم أمام أجهزة الاٍعلام ليدلي بحديثه الصاقع، قائلا بأنه قد تمت اٍبادة 157 مزرعة موبوءة بمرض اٍنفلونزا الطيور وأن أعداد الدواجن التي أبيدت قد بلغ 1,600,000 وأن عدد المتضررين يشكل 90% من المنتجين! وقد تبعه والي الجزيرة باٍعلان المرض في ولايته.

بعد يوم واحد من الاٍعلان المفاجئ ، قام والي الخرطوم بدعوة أعضاء حكومته لتناول وجبة من الدجاج في مجمع "الأسكلا" السياحي بالخرطوم وقد نقل الحفل المهزلة مباشرة على الهواء لاٍقناع المواطن بأن المرض قد تم القضاء عليه تماما. الأدهى والأنكر من ذلك فقد ظهر لاحقا مسئول في التلفزيون السوداني، ذاكرا أن من نعم الله حرارة الشمس وهي كافية لمنع المرض من الاٍنتشار كما أن حرارة المعدة تقضي على المرض!! قوله ذلك كان يعني ببساطة لا داعي لبذل أي جهد لمحاربة المرض وحصاره.

سلوك المسئولين لا يحتاج لكثير جهد لاٍثبات خطله، خداعه وفداحة اٍستهتاره بالمواطن ولكن ما يستحق القول هنا، أن أهل الاٍنقاذ أصبحوا غير حريصين على "تسبيك" وحبكة واٍخراج مسرحياتهم. فكيف يتسنى لأي شخص يملك قدر من العقل والمنطق أن يصدق قول المسئولين بأن المرض ظهر في يوم واحد وتم القضاء عليه في اليوم الثاني!!

أن كل الخطوات التي أتخذت من جانب المسئولين كان من المتوقع وبالضرورة أن تفضي اٍلى ما هو حادث اليوم. فقد تم اٍنكار المرض، حجبه ومن ثم التساهل الذي وصل اٍلى حد الجرم في التعامل مع نتائجه. أن السلوك الزئبقي والثعلبي ومحاولات اٍلغاء العقل المستمرة، هز مصداقية السلطة و أضعف ثقة المواطن العادي بها تلك الثقة المنعدمة تماما بعد تجارب مريرة ومتكررة.

ذلك جانب واحد من المسألة، أما الجانب الآخر فهو الفساد الذي شمل كل مؤسسات الدولة، الجرائم التي أخذت طابع التعدي المنفلت على المال العام، سرقة أموال البنوك في وضح النهار، بيع أراضي الدولة بلا خشية من سلطة أو رقيب، ومن ثم الرشوة ورائحة الصفقات النتنة التي تملأ سماء الخرطوم يزيد من وطأة اٍحتمالها غبار العمارات المنهارة بسبب الغش في مواد البناء. لذلك لم يكن مثير للدهشة أن يحتل السودان المرتبة الأولى في تصنيف الدول الأكثر عجزا في العالم. كما هو واضح فقد كان الجو مهيئا تماما لاٍمكانية اٍرتكاب تلك الجريمة البشعة، فساد ضرب كل أركان الدولة، اٍنقاذيون لا يحترمون سوى النقود أيا كان مصدرها ومواطنا ترك في العراء بلا حماية، منهك من الفقر و الجوع ولا يثق في ما تقوله حكومته.

 بعد ذلك السرد المفجع هنالك عدة أسئلة تتبادر اٍلى الذهن، تفرض نفسها في اٍصرار لا يقبل الصد وتلك الأسئلة هي:

1) كيف تمت اٍبادة الدجاج المريض وهل روعي في ذلك اٍستخدام التقنيات التي تمنع عدم اٍنتقاله مرة أخرى؟ أو عدم تسربه بطرق مختلفة؟

2) كم من ذلك الدجاج المباد قد تسرب اٍلى السوق؟

3) كم من ذلك الدجاج قد دخل بطون الغلابة الخاوية في أطراف العاصمة وضواحيها؟

4) كم من المواطنين صار يحمل جرثومة المرض الخطير؟

5) ومن ثم هل المجموعة التي تم القبض عليها هي المجموعة الوحيدة التي تمارس ذلك الجرم؟

6) وأخيرا السؤال الأكثر الأهمية، من هو الجاني الحقيقي في هذه الجريمة؟!!

أسئلة لا نتوقع  اٍجابة لها، ولكن من المؤكد أن الشعب السوداني على موعد مع وباء قاتل جديد – اٍضافة اٍلى الأمراض المستوطنة والمتمددة – ذلك الوباء القاتل الجديد يدعى اٍنفلونزا الطيور.

5 يونيو 2006