الحركة الشعبية وارهاصات الشمولية

عدنان زاهر

السودان الجديد الذي  تدعو اليه الحركة  في مواثيقها و خطها الاٍعلامي العام – ونتفق معها في كثير من اطروحاته - من أهم سماته تغيير مناهج العمل السائدة في الساحة السياسية قديماً، الشفافية في الطرح وتناول القضايا، التقيد بالديمقراطية وقبول الآخرين ، وتطابق التنظير مع الفعل في أرض الواقع. هذا الاجترار (المدرسي) والتكرار في القول دفعني اليه موقف الحركة الشعبية من صياغة دستور يحكم الفترة الاٍنتقالية تشارك فيه كل القوى السياسية ويعبر عن تطلعات شعبنا في سودان جديد.

وفي محاولة لتبرير التمثيل المختل في مفوضية الدستور باحتكار السلطة والحركة لأكثر من ثلثي الممثلين فيها ومستهيناً  بمشاركة القوى السياسية الأخرى و في حديث يعكس المداورة ومحاولة (التسطيح) السياسي بالآخرين ذكر الناطق الرسمي بإٍسم الحركة الشعبية ياسر عرمان أن (الدستور في نهاية الأمر ، ما هو اٍلا تحويل الاٍتفاق السياسي الذي بموجبه انتهت الحرب وما صاحبه من قسمة للسلطة والثروة والترتيبات الأمنية اٍلى لغة قانونية.)

وقد اتفق معه في هذا القول الأستاذ غازي سليمان في حوار أجرته معه قناة الجزيرة الأسبوع الماضي.

 ونود أن نناقش قول الناطق الرسمي باٍسم الحركة بنفس هادئ ولغة غير متشنجة مستصحبين في طرحنا السودان الجديد الذي تنادي به الحركة دوماً.

أولاً: إن القول بأن المقصود من مفوضية الدستور هو فقط تحويل اتفاقيات نيفاشا اٍلى بنود دستورية فيه تبسيط واختزال لمهام تلك اللجنة واستهانة بعقول الآخرين. فمن مهام اللجنة (المفترضة) أن تقوم بإعداد وصياغة دستور انتقالي وذلك الدستور بالضرورة لا بد أن يضمن المبادئ الأساسية الموجهة للدولة ، الحريات الأساسية والحقوق والواجبات ، شكل الدولة والأجهزة التشريعية والتنفيذية ، النظام القضائي....الخ وتلك أشياء تمس صميم حقوق جموع الشعب السوداني في حاضره ومستقبله. بكلمات أخرى يجب أن يعبر ذلك الدستور عن رؤى الآخرين في جمهورية المليون ميل مربع. 

ثانياً:  الدستور مهما كان انتقالياً أو غير انتقالي فهو الوثيقة الأساسية لأي دولة وهو الذي تستمد منها باقي القوانين مضمونها و شرعيتها وبذلك الفهم لا يمكن ولا يجوز أن تقوم به مجموعة نيابة عن الآخرين بدون تفويض منهم واٍذا تم ذلك فإن تلك الوثيقة تكون قد فقدت قيمتها كدستور للوطن. 

ثالثاً: اٍن اصرار الحركة أن يكون التمثيل في مفوضية الدستور لصالح السلطة والحركة يعني الاٍستفراد والهيمنة على قرارات المفوضية وذلك يعكس موقفاً متناقضاً للحركة عما تطرحه حول الديمقراطية وتمثيل الرأي الآخر دون وصاية.

رابعا: ذكر وزير الاٍعلام عبدالباسط سبدرات أن هنالك وثيقة دستورية مقترحة سوف تقدم لمفوضية الدستور لمناقشتها وذلك يعني نفي استقلالية تلك المفوضية وانعدام امكانياتها في صياغة وثيقة دستورية وفقا لرؤى الممثلين فيها. وذلك يعني أن مهمة هذه المفوضية (البصم) واعطاء شرعية لوثيقة لم تقم بإعدادها ولا تعبر عن قوى السودان المختلفة.

خامساً: لا أحد يثق بنزاهة نظام الاٍنقاذ كما هنالك احتمال أن تضمن سلطة الاٍنقاذ تلك الوثيقة ما تراه مناسباً لها وغير متناقضاً مع مصالحها وهي صاحبة الكم الأكبر في مفوضية الدستور وهنالك تجارب كثيرة للاٍنقاذ توثق لتجاوزاتها في تحوير وتبديل والغاء في مسودات قانونية كونت لها لجاناً. مثال لذلك القانون الجنائي سنة 1991 ودستور السودان سنة 1998.

سادسا: هنالك حرب تدور في دارفور راح ضحيتها زهاء المائة ألف شخص وشرد أكثر من مليون. وهنالك أيضاً حرب في الشرق. تلك الحروب أسبابها الأساسية التقسيم غير العادل للثروة والسلطة. فهل سوف تضمن اٍرداة الاٍقليمين في هذا الدستور الاٍنتقالي؟!  أم أن ذلك غير مهم للشريكين الجديدين في السلطة.

سابعا: هذا الدستور الاٍنتقالي هو الأساس لأي دستور يأتي لاحقاً واذا تم بهذه الصورة فلن يكون الدستور الدائم معبراً عن رأي القوى الأخرى داخل الوطن.

اٍن تصريح ياسر عرمان الناطق الرسمي للحركة حول مفوضية الدستور لا ينفصل عن تصريح آخر أيضاً أدلى به هو ومدير المخابرات في الحركة "اٍدوارد لينو" تعليقاً على مظاهرات الطلبة التي عمت جميع الجامعات السودانية في الفترة السابقة و فحواه (اٍن الحركة لن تسمح باسقاط النظام !!!) والقولين يستشف منهما الوصايا والتعالي ومؤشر للاٍرتداد والتنصل عما كانت تنادي به الحركة في الدعوة لسودان جديد تسوده الديمقراطية و حق الآخرين في المشاركة. فهل يعني ذلك أننا على موعد – بالاٍضافة الى الشمولية الدينية –  مع شمولية جديدة تحت مسمى تنفيذ اتفاقيات نيفاشا؟!! نتمنى ألا يحدث ذلك

4 مايو 2005