حادث
عدنان زاهر
كان عليه أن يقطع أمدرمان من أقصى الغرب اٍلى أقصى الشمال الشرقي مشيا على قدميه فالمدينة العجوز تفتقر منذ نشأتها اٍلى المواصلات العرضية، رغما عن أن ذلك ليس هو السبب الحقيقي في سعيه راجلا لعمله ، لأنه حتى لو توفرت سبل المواصلات اٍلى ذلك المكان فلم يكن يملك النقود الكافية لاٍمتطائها. أحس بنشاط يسري في خلاياه ويجددها فاليوم سوف يقوم بتشطيب آخر جزء من "النقاشة" ويستلم نقوده بالتمام والكمال. زحمة رأسه المشاريع ، سوف يدخل السينما ويأكل سندوتشين من المخ "آه كم يعشق الأفلام الهندية والمخ مخلوطا بالبيض"، بعد ذلك سوف يحلي بنصف كيلو من الباسطة بالتأكيد ذلك سوف يعطيه طاقة جبارة لتمرين كرة القدم عصر اليوم الثاني. اٍستدرك لا بد من دعوة صديقه "تكمة" فلولاه لما حصل على هذا العمل مع هذه المرأة "الخواجية". اٍنبثق سؤال بغتة في ذهنه هل العمل عند الخواجات "الكفار" حلال أم حرام؟ لماذا لم يفكر في ذلك من قبل؟ على العموم لم يسمع عن ذلك الموضوع في خطبة الجمعة ولو كان ذلك حراما فاٍن ذلك الاٍمام القناص لذكره فهو لا يترك واردة أو شاردة لا يفتي فيها. هذه الخواجية من أي البلاد أتت؟ ولماذا الاٍصرار على العيش في هذا البلد الذي تشوي شمسها طازج اللحم؟!! على العموم هي تعامله بود واحترام وتوفر له كل يوم وجبة الاٍفطار وتمازحه من حين لآخر، ولا غبار عليها لولا نظراتها التي يحس بها تخترق تلافيف ظهره. هي في عمر والدته، لكنها ممشوقة القوام، مكتنزة اللحم، ومحافظة على مظهرها، ولا تمت لوالدته بأدنى شبه. تلك التي انحنى ظهرها من كثرة الشقاوة وفقدت نضارتها مع معظم أسنانها (ملعونة هذه الدنيا، الخواجية مرتاحة لا عواسة كسرة ولا غسيل ملابس لأطفال أصبحوا رجالا. )
"تازي" في مقتبل العمر ولا يزد عمره بأية حال عن الثامنة عشرة عاما. فارق الدراسة منذ المرحلة الاٍبتدائية وتفرغ للعمل كما فعل كل أخوته الآخرين. منزله ملئ بصنايعية في كل المهن حدادين، ميكانيكية، نجادين، ونجارين أما هو فقد كان نصيبه أن يمتهن البناء وقد تم ذلك الاٍختيار عن طريق الصدفة البحتة. ففي عصر أحد الأيام وهو يجلس تحت ظل شجرة تقع بالقرب من منزله، أتى اٍليه جارهم المقاول وطلب منه أن يساعده في بناء حمام صغير بمنزله. عند الاٍنتهاء من العمل عرض عليه المقاول أن يعمل معه فقبل على الفور. ذلك هو التاريخ الرسمي لمزاولته مهنة البناء. بعد وفاة والده أصبح كل فرد من أفراد أسرته مسئولا عن اٍعاشة نفسه فترك المدرسة غير نادما عليها ، فهو لا يحب حفظ السور الطويلة كما يمقت جدول الضرب وأنواع العقاب المرادف لهما.
حرفة البناء والرياضة جعلت بنيته أشبه ببنية أبطال كمال الأجسام. تحسس عضلاته المفتولة ورفع صدره عاليا معدلا من مشيته فهو قد خبر أن المارة يعلقون على جسده القوي المتناسق وقوامه الفارع.
ضغط على زر الجرس بقوة ففتحت له المرأة الباب . زوجها في العادة يخرج مبكرا للعمل وهي التي تدير معه شئون النقاشة. ألقى عليها تحية الصباح ولاحظ أنها لا زالت ترتدي ملابس نومها. غض من بصره وهرول مسرعا لمكان عمله مستعيذا بالله في سره وذاكرا لها أنه سوف يقوم بالاٍنتهاء في هذا اليوم. باشر عمله بهمة ونشاط والأحلام تسيطر على عالمه الخاص . نادى على المرأة وطلب منها مراجعة ما أنجزه من عمل ومن ثم محاسبته لأنه ينوي الذهاب مبكرا. أصرت المرأة بدلال واٍلحاح أن يبقى للاٍفطار، قال لنفسه لما العجلة فليطيب خاطرها وليذهب بعد ذلك.
كان يحاول اٍصالح المائدة بعد اٍكمال اٍفطاره عندما قامت المرأة بتطويقه بذراعيها أفلت مذعورا فهو لم يعرف النساء منذ ولادته كما يؤمن اٍيمان قاطع أن معاشرة اٍمرأة غير الزوجة معصية كبيرة تستوجب مساءلة مرتكبها. تحدثت معه برفق طالبة منه الهدوء وعدم التوتر لكنه تجاهلها وحاول الاٍنسحاب خارج الصالة. حاصرته في ركن منها فدفعها وخرج راكضا. وجد الكلب "الولفي" عند الباب متحفزا ومتأهبا للهجوم. تراجع بذعر اٍلى الصالة. تم اغتصاب تازي ذلك اليوم لأكثر من مرة.
خرج من منزلها يجر قدميه وقد تبخرت كل أحلامه ومشاريعه السابقة واللاحقة. اٍتجه اٍلى منزله ونام عميقا حتى صباح اليوم التالي. تغيرت عادات تازي بعد تلك الحادثة. لم يعد يذهب الى السينما لمشاهدة الأفلام الهندية ملتهما بتلذذ سندوتشات المخ. أهمل تمارينه الرياضية كما هجر قعدات الأنس البرئ في طرف الشارع وأصبح يلازم جامع الحي الصغير لساعات طوال.
بعد اٍنقضاء أسبوعين لعودة تازي الحزينة في ذلك اليوم، وفي صباح باكر تشابكت فيه الخطى متجهة اٍلى تقضية أعمالها، وجد قدميه تقودانه اٍلى ذات المنزل. طرق على الباب بحذر وبضربات خافتة مترددة. بعد فترة فتح الباب وأطل منه وجه المرأة. نظرت اٍليه مندهشة ثم كسا وجهها اٍبتسامة وردية مرحبة. انسرب تازي من خلال فرجة الباب وهو مطاطئ الرأس.
4 فبراير 2006