بجشعهم ينتزعون الحياة من أجساد الاطفال!
عدنان زاهر
"طفل يبلغ من العمر تسعة أشهر، مصاب بازمة حادة يحمله والده فوق ذراعيه ويطوف به مستشفيات العاصمة بحثا عن العلاج ولكن كل المستشفيات لا يوجد بها جهاز الاوكسجين المنقذ للحياة. فى نهاية الامر يضطرالوالد الى الذهاب به الى مستشفى خاص تبلغ فيه تكلفة علاج جرعة الحياة من الجهازلليوم الواحد 800 الف جنيه ، وعندما يفشل والده فى السداد تقوم المستشفى بنزع الجهازليلفظ الطفل انفاسه." الخبر اللذى اوردته سودانايل الالكترونية لم ينته بعد " ترفض المستشفى تسليم الجثمان للوالد الا بعد توقيعه اقرارا بسداد المبلغ البالغ قدره مليونين وسبعمائة الف جنيه سودانى" !!!
قصة لا تكاد تصدق وهى اغرب الى الخيال ولا تشاهد الا فى الافلام المصرية ولكنها حقيقية وحدثت قبل بضع ايام فى سودان الانقاذ. الحادث أكده الامين العام للمجلس الطبى السودانى والذى اضاف بان هنالك اربع حالات مماثلة امام المجلس . المستشفى الخاص اعترف ايضا بالحادث ولكن عزى اسباب عدم انسياب الاكسجين اللذى أدى لوفاة الطفل الى تغيير وضع انبوب الاكسجين بسبب حركة الطفل !!
ابتداءا نقول ان مثل هذا الحادث لا يقع فى اشرس واعرق البلاد الرأسمالية وذلك يرجع الى تقديسهم لحياة الانسان وللحريات الديمقراطية التى تبيح النقد وتغيير الخطأ. الحادث يدفع الى الواجهة وبحدة اربع قضايا تناولها الحادبون كثيرا ولكن تلك القضايا جوبهت بالتجاهل و "الطناش" المتعمد من جانب "حكومة الانقاذ – فلول الجبهة الاسلامية" ، تلك القضايا هى:
حق المواطن فى العلاج – المستشفيات الحكومية – المستشفيات الخاصة واسعار العلاج المنفلتة – الترهل الاخلاقى اللذى اصاب المهن الطبية فى السودان فى الآونة الاخيرة.
● حق المواطن فى العلاج وان يعيش فى وضع صحى سليم ومعافى ، ذلك حق نص عليه فى كل القوانين والمواثيق الدولية . اهمية ذلك تنبع من ان ذلك الحق يتعلق بحياة الانسان واستمراريته وقدرته على العطاء واسهامه فى تطور المجتمع الانسانى. الحكومة الانقلابية عندما سطت على الحكم كان من اول شعارتها المخادعة فى بداية حكمها هى توفير العلاج للمواطن اللذى أهملته الاحزاب كما ادعت، ولكنها فعلت العكس تماما. السلطة تخلت عن حق العلاج المجانى تحت شتى المسميات "علاج اقتصادى...الخ" لتترك المواطن للموت الحتمى واللذى يلاحظه المراقب فى ازدياد الوفيات بشتى الامراض التى كانت تعالج بسهولة فى الماضى.
● المستشفيات الحكومية
رفعت الدولة يدها تماما من المستشفيات العامة وقامت بفرض رسوم على كل الخدمات الطبية فاصبح العلاج بالنقود ، وبالرغم من الجبايات الطبية الباهظة فقد تدهورت الخدمات الطبية حتى اصبحت المستشفيات تماثل الشفخانات فى الماضى وافتقرت لابسط الاجهزة والادوية المنقذة للحياة .بالله كيف يعقل أن لا يوجد جهاز فى غاية الاهمية ومنقذ للحياة فى كل المستشفيات الحكومية وهو جهاز يفترض وجوده فى كل موقع طبى؟! هذا الجهاز تكلفته لا تزيد عن بضع آلاف من الدولارات، والدولة تصرف ببذخ يبلغ حد السفه على مؤتمراتها وحفلاتها الخاصة ورحلاتها الخارجية، وليس ببعيد عن الاذهان قصة اليخت الرئاسى والشقق الرئاسية التى فاقت تكلفتها الثلاثين مليون دولار لتستخدم فى الرفاهية لعدة ايام!! الدولة تصرف على ملاذتها وامنها صرف من لا يخشى الفقر ، ليس ذلك فقط فقد جاء فى صحيفة الرأى العام الصدرة بتاريخ 23 يوليو الآتى "وعد نائب الرئيس على عثمان بتقديم العون لبورندى فى مجالات الزراعة والصحة والتعليم ، تم ذلك اثناء بحث العلاقة مع رئس مجلس الشيوخ فى بورندى. "
تصوروا السودان يعد بتقديم العون لبورندى فى مجال الصحة والمواطن السودانى يموت يوميا بالملاريا، التايفويد، فقر الدم والسل....الخ القائمة السوداء فعلا صدق المثل اللذى يقول "اقرع ونزهى".
● المستشفيات الخاصة
ابتعاد الدولة عن المستشفيات العامة مهد الطريق وعبده للمستشفيات الخاصة وكان ذلك هو المقصود. تجار الجبهة يعلمون بحسابات التاجر وحاسته ان المواطن سوف يكون مضطرا للذهاب الى مستشفياتهم ذات الخمس نجوم التى تبلغ فيها قيمة العلاج آلاف الجنيهات "تلفون، مكيف، سرير مترف وثلاجة مليئة بالمأكولات والمشروبات المستوردة طبعا بالثمن ".
المواطن اصبح امام خيارين اما الذهاب الى تلك المستشفيات او مجابهة الموت . كثير من المواطنين فضل الخيار الثانى فهو الأسهل والاقل تكلفة وحتى لا يصبح عبئا على الاسرة التى لا تستطيع تحمل نفقات العلاج.
تجار الانقاذ فى مجال الطب لا يفرقون بين الانسان وتجارة الحديد الخردة.
● الترهل الاخلاقى اللذى أصاب المهن الطبية فى السودان فى زمن الانقاذ اصبح ظاهرة تستحق التوقف واريد فى هذا المجال ان أحكى تجربة مررت بها شخصيا. ذهبت الى حوادث مستشفى امدرمان فى احدى الليالى وانا احمل طفلتى المريضة، وجدت احد الاشخاص يجلس على قدميه امام الطبيب المناوب وهو يهذى مدمع العينين. ظننت ان به مرضا نفسيا وهو فى انتظار ان يؤخذ الى القسم المخصص لذلك .عندما بدأ الطبيب فى فحص ابنتى، دخل طبيب آخر الغرفة وكان يبدو عليه انه اكبر سنا ووظيفة من الطبيب اللذى يعالج ابنتى . سأل عن الرجل الجالس على قدميه، فرد الطبيب الاخر بانه مريض بالملاريا ولا يملك حق الدواء والعلاج لذا رفض ان يقوم بفحصه. ثار الطبيب كبير السن كالبركان ولعن كل شئ بما فيها حكومة الانقاذ وشرع فورا فى معالجة المريض. وحسب معرفتي فان مثل هذا الحادث يقع يوميا وهو يتطلب موقف مبدئي تجاه المريض وتجاه مهنة الطب.
أبدأ الآن في تناول الحادث الماثل أمام أعيننا، لن أتناوله من الناحية القانونية فذلك مكانه ساحات القضاء والمحاكم ولكني أود أن أتناوله من الناحية الاٍنسانية. السؤال الذي يبدو طبيعيا كيف يمكن نزع الأكسوجين المنقذ للحياة من طفل مريض ليموت لأن والده قد عجز عن سداد المبلغ المقرر للعلاج؟! القانون يعاقب الفرد الذي يرفض تقديم المساعدة لشخص معرضة حياته لخطر داهم وكان في مقدور ذلك الشخص تقديم المساعدة، فكيف الأتيان بفعل يفضي اٍلى موت شخص آخر؟!
اٍٍٍٍٍذا افترضنا كما دفعت المستشفى أن جهاز الأكسوجين قد تغير موقعه بسبب حركة الطفل فذلك في تقديري اٍهمال في ممارسة التمريض تتحمله المستشفى ذات الخمس نجوم التي تسمح ببقاء طفل وهو بين الموت والحياة على جهاز الموت وحيدا. جانب آخر كيف يمكن منع شخص من مغادرة المستشفى وحجز جثمان اٍبنه المتوفي ما لم يوقع على تعهد؟ وهل أصبحت المستشفيات الخاصة تقوم بعمل القضاء والنيابة والشرطة؟
هنالك كثير من الأسئلة العالقة بالذهن لا أريد أن أقوم بطرحها ولكن هنالك أسئلة أخرى لا بد من طرحها أهمها، لو افترضنا جدلا أن والد الطفل كان لا يملك حق العلاج حينما ذهب اٍلى ذلك المستشفى الخاص فهل كان لدي الوالد خيار آخر؟!! في مثل هذه الحالة التي أمامنا من هو المسئول عن موت الطفل؟ الدولة أم المستشفى الخاص؟ وأخيرا هل نحن في حاجة لاٍستدعاء الطفل من العالم الآخر للاٍدلاء بشهادته؟!!!
4 ديسمبر 2006