باعوضة واحدة تكفى !
عدنان زاهر
المتابع لما يدور فى السودان يمكنه القول باطمئنان و دون تحفظ ، انه أصبح مستنقع لكل الامراض، تلك الامراض التى تخلص منها فيما يقارب نصف قرن من الزمان، عادت منتشية بالبعث الجديد و من ثم الامراض الجديدة و الوافدة التى وجدت لها مستقرا آمنا فى هذا البلد المضياف. .يسمح لى القارئ ان اعدد اسماء بعض الامراض التئ اصبحت سمة ملازمة للمجتمع و التى لا يندهش لها الآخرون عند سماع الاصابة بها، التايفويد، الملاريا، اليرقان، السحائى
"فى كل فصول العام"، شلل الاطفال، السل، الانيميا، داء الفيل الذى قال احد مسؤولى وزارة الصحة ان نصف الشعب السودانى مصاب به! ، الاسهالات المائية "الاسم المخفف للكوليرا" ثم الايدزو الذى يعتبر السودان الاول عربيا من حيث الاصابة به كما ذكروزير الدولة بالرعاية الاجتماعية د. سامى عبدالقادر، ثم النسب المرتفعة و المزعجة من المصابين به فى العاصمة المثلثة كما ادلى كثير من المسؤولين.
أكتب هذه الكلمات و انا أقرا خبرا اوردته الراى العام الصادرة بتاريخ 13 أغسطس 2007 و لهول الخبر و طرافته سأورده كاملا " أشتكت وزارة الصحة الاتحادية من ضعف برنامج مكافحة الملاريا فى بعض الولايات بجانب النقص الكبير فى كلورة مياه الشرب، لافته الى التفاوت بين كل ولاية لاخرى بنسب تتراوح بين 90% الى 20% وقال المدير العام لبرنامج مكافحة الملاريا والمتحدث باسم اللجنة العليا للطوارى د. الفاتح مالك ان تغطية مياه الشرب بالكلور ما زالت ضعيفة فى بعض الولايات و تصل الى 50% فى ولايات اخرى مثل النيل الابيض وشمال دارفور، النيل الازرق والقضارف. فى سياق آخر شدد مالك على ان 8 ولايات تمكنت من تفعيل انشطة مكافحة الملاريا بنسبة وصلت 60% واستثنى مدير برنامج المكافحة ولاية كسلا من هذا النشاط التى وصلت فيها كثافة الباعوض الى عشرة باعوضات فى الحجرة الواحدة، بينما تبلغ فى الولايات الاخرى 5 فقط" انتهى الخبر الفكه والمحزن فى آن واحد.
ابتداءا نود ان نعرف ما هى حدود العلاقة بين وزارة الصحة الاتحادية ووزارات الصحة فى الولايات؟ هل تلك الوزارات ملزمة بتنفيذ توجيهات الوزارة المركزية فيما يخص المسائل القومية أم أن المسائل استشارية فقط؟
الشئ الثاني لأول مرة أعرف أن وزارة الصحة الاتحادية تقوم بعد أو حساب الناموس بشكل دقيق حتى وصل بها الأمر بتحديد عدد الباعوض في غرف ولايات السودان. ذلك الاكتشاف جعل سلسلة من الأسئلة تنهال على ذهني دون شفقة وبلا خوف من امكانية انفجاره، كيف تعد وزارة الصحة الباعوض؟ وبما أن الشعب السوداني ينام في الحيشان الواسعة فما هو عدد الباعوض المتواجد بها؟ الزمن الذي تأخذه لأداء هذا العمل؟!
أيضا من المعلومات التي درست لنا في سنين الدراسة الأولى، أن أنثى الباعوضة وتدعى السيدة "أنوفلس" هي التي تقوم بنقل الملاريا فهل استطاعت الوزاة التفريق بين الباعوضة "الضكر" وبين الباعوضة "الأنتاية" في ذلك الاحصاء المدهش؟
البيان رغم الأرقام الواردة فيه لا يشفي غليلا ولا يضع منهجا لعلاج المشكلة التي لا تتحمل تأخيرا أو تسويفا، فهو لا يوضح لنا الكيفية التي يمكن التصدي بها لهذا الوضع المأساوي؟ ما هي اجراءات الوقاية التي اتخذتها اللجنة العليا للطوارئ لمجابهة هذا المرض القاتل وخريف هذا العام وغزارة أمطاره تزيد الوضع تعقيدا. ها هي الأخبار تقول أن هنالك 12 ألف اصابة ملاريا في جنوب كردفان الأسبوع الماضي مع موت 15 شخص.فى العام 1995 كان هنالك وباء لملاريا لم ينجو فيه أحد من الاصابة في العاصمة المثلثة حتى أصبح المواطنون يدفنون موتاهم دون وضع شواهد لهم فهل يتكرر ذلك الحدث هذا العام مع تصريحات لحنة الطوارئ غير المبرئة للذمة!
حديث اللجنة العليا للطوارئ بأن كل غرفة في السودان توجد بها 5 باعوضات ما عدا كسلا ترتفع بها النسبة الى 10باعوضات!!! ذكرني باحدى حكاوي امدرمان خفيفة الظل التي يتم تناولها في المجالس الأمدرمانية في ساعات الصفا و تروى بطرق مختلفة، يقال أن شخصا مشهورا في سوق امدرمان كان يقوم ببيع علب الفرتة "الفواكه" الضاربة أو منتهية الصلاحية. في ذلك الزمن في ستينات القرن الماضي كانت الأسر تحلي بعد تناول وجبة الغداء مباشرة، كنا نرسل ونحن صغارا لشراء علب الفواكه المحفوطة من دكان الحي وثمنها لا يتجاوز خمسة قروش. يقال أن بائع الفرتة الضاربة أتاه يوما شابا صغيرا طالبا شراء ثلاث علب فرتة. رد عليه البائع وقال له "ليه ثلاث يا ولدي، واحدة بتجيب أجلكم!"
هل هنالك حاجة لنقول للجنة الطوارئ العليا أن باعوضة واحدة تكفي!!
30 أغسطس 2007