هل أنصف بعدها؟

عدنان زاهر

عامين ركضا منذ أن رحلت من حياتنا بدون اٍذن مسبق. اٍنسللت بحذر لا يعرف عنك. انسحبت فقط، تاركة فراغا ممتدا وشجنا مقيما. جرت العادة في عالمنا أن من يرحلون بلا عودة لا يستأذنون، وأفكر دوما ماهي الحكمة من ذلك؟! أولاً، الحكمة من الفراق ؟‍‍‍‍‍‍‍! وأخيراً، الحكمة من كتمان الرحيل؟!

يبدو أن ذلك مدخلاً فلسفياً يفسد متعة التوحد ولكي أوصد الباب أمام أسئلة من هذا القبيل تفتقر الى الاٍجابات المنطقية، سوف أحاول التماسك وأن أبدو عمودياً في تصرفاتي. سأتزود بجرعة من (الرجالة) السودانية للتشجع واثبات الذات. أحاول التشبث بالأسلوب السوداني في التعبير، ذلك الأسلوب المتحفظ المتقتر في الاٍفصاح عن العواطف حتى لا يبدو وقع قولي غريباً. كان أستاذي الوقور في سنين الدراسة الأولى وأبان حصص الاٍنشاء يردد في اصرار عجيب على مسامعنا (السلام اٍبتداءا ثم السؤال عن الأحوال). سنين طويلة لم أسمع عنه شيئا هل رحل هو الآخر ؟! سوف أستعير أسلوبه في الكتابة كاملاً فقد افتقدت الجرأة منذ عامين على اٍلغاء ذلك السؤال والكتابة.

السلام لك وكيف الأحوال ؟ هل يبدو السؤال معقولاً ؟ أم لديه وقعاً آخر لديكم ؟ أعلم أن ردك سيكون متأخراً قليلاً، فقد انتقلنا الى بلد بعدها لا توصفه الكلمات، بلد يمتطي شتاءها باقي الفصول. ومما يزيد الأمر صعوبة في هذا البلد البعيد تلك (الرطانة) التي يستخدمونها في التواصل. لا تشفقي، فقد اضطررت أن (أرطن) مثلهم، حتى (الشفع) قد أصبحوا يجيدون تلك (الرطانة). أتساءل ما هو الدافع لتلك الحذاقة في التقاط الأشياء هل هو قانون الضرورة ؟ أم قانون البقاء ؟ أم كلاهما معاً ؟!!

من أين أتتنا تلك الفكرة (الكولمبسية) في الاٍنتقال الى أرض جديدة؟ هل كانت فكرتك؟ أم فكرتي؟ أم هي الظروف التي دفعتنا لذلك الاٍختيار؟ على العموم أؤمن اٍن عامل البعد لا يعفي من التواصل ولكن سبباً - مجرد حديث - أتكئ عليه عند تأخر الرد.

أحوالنا تبدو متماسكة في ظاهرها تمشي الى الأمام اٍذا كان ذلك (الأمام) يعني الاٍنتظام في الدراسة، الاٍندماج والتمدد، مداورة الحياة، والاٍنخراط في الهرولة الاٍنسانية الجماعية.

ولكن هل كل ذلك يعطي معنى للحياة ؟!! في حواراتنا الحميمة في أمسيات الخريف المنعشة بأم درمان لم تكن هذه الأشياء مدرجة في فهمنا للحياة !

أعرف الحساسية والشفقة التي تتصفين بها لمعرفة أحوال (العيال). شغفك لمعرفة أدق التفاصيل الصغيرة عنهم لارضاءك سأحاول رصدها واشباع فضولك رغم علمك تضجري من ذكر التفاصيل وميلي الى ذكر الخطوط العريضة في تناول الأشياء. هل تلك العادة (كسل أم إزدراء للحياة).

(هبة الله) ذات الثلاثة أشهر عند رحيلك عنا أصبحت (فتا) تتحدث لغتين العربية والاٍنجليزية ولا تتقن أحداهما! يبدو أن تلك مشاكل هجرة ولا أقول غياب أم لأني بطبعي أكره العتاب وأهلنا يقولون (اللوم يجيب الجفا) . هبة (تكابس) الحياة وتأخذها عنوة ، ( مرة أخرى قانون البقاء).

خالدة أو لودي كما تحب أن يطلق عليها يشع من عينيها الذكاء وأكثرنا فطنة في تعلم لغة الفرنجة، وفهم تعاريج الأرض الجديدة. اٍنها تتعلم سريعا.

فاطمة (يمة) لا زالت بقلقها المعتاد وفي تقديري اٍنه ازداد حدة بعد غيابك. لا تعرف ما تريد وتود الحصول على كل الأشياء دفعة واحدة لا زالت تمتاز برقتها المعتادة، لماحة وفطنة مولودة بها. أحاول أن أفرد لها مساحة من الاٍهتمام كاتفاقنا على ذلك ولكني لا أجد وقتا.

هند بعنادها المعروف وذكاءها الحاد المستغل (عند الطلب) واعتدادها بنفسها تمضي بخطوات واثقة نحو المستقبل. هي تعرف ما تريد وبالمناسبة هي لا زالت على رغبتها القديمة في دراسة الهندسة.

سارة (سرورة) المسئولة، ثيرمومتر التوازن في أسرتنا، بجديتها، تفردها، رقتها، ذكاءها هي لا زالت الأولى حتى على أبناء الخواجات وكفى. لك أن تفخري بهم فهم يدرسون بامتياز ملفت ويساعدوني باقتدار في (مداقشة) الحياة.

أتدرين ماهو القاسم المشترك بينهن - هو العناد - وتلك هي آفة أسرتنا وبالمناسبة هل يورث العناد؟!

أستعيد كثيراً هذه الأيام حديثنا مع شقيقتي خالدة في (العمارات) أتتذكرينه ؟ رغبتها أن ننجب عدداً كبيراً من الأطفال ومناكفتي لها بأنها تطلب ما لم تفعله هي في زمانها ، أتساءل الآن مندهشاً هل كانت تدري حوجتي مستقبلاً بأن أرى وجهك متجدداً في أكثر من شخص ؟!!!

اٍنصاف، الآن جاء دوري للحديث عن نفسي. أمارس كل أنواع الاٍدارة من التجوال متنقلا بين مدارس البنات المختلفة حتى طهي الطعام وغسل الأطفال. كم أتضامن اليوم مع النساء وأحس بالخجل لافتقاري السابق للعدل والمساواة الحقيقية للنساء، هكذا نحن جنس الرجال دائما يأتينا التعلم متأخراً.

بالمناسبة نسيت شيئا طريفا لم أخبرك به، (هبة الله) تناديني (ماما بابا) أو كما تقول هي

 Mami-Dadi.  حاولت أن أصححها ولكن عجزت عن ذلك فتركت الأمر كما هو وكما تعلمين فهي مسألة تتعلق بالمفاهيم تزول بالنضج والمعرفة . أطهو كما يفعل (أجعص) الطهاة في الفنادق ذات الخمسة نجوم . سلمى علقت على ذلك بأنني أملك المؤهلات لفتح مطعم في (كندا) رددت على مزاحها  بجدية (محامي طباخ ما جاية).

رغم تميزي في عمل الطعام لم أعد أذق له طعماً، أتناول وجباتي بميكانيكية التعود هل يمكنني التذوق وأنا وحيداً؟

 باختصار أحاول والعيال في تصميم وعزيمة أن نخلق (هارموني) في حياتنا رغم قناعتي بعدم اٍمكانية استرجاع أنغام الأيام السابقة. هل هنالك شيئا آخر يجب اٍعلامك به، فقد أصبحت أنسى كثيراً في هذه الأيام فالهرم هنا يأتي مبكراً كالشتاء.

آه ... أسكن في غرفة ممتدة الأرجاء تسع لسكن عائلة بأكملها ! كم أحس بها خاوية، خالية، مسترجعة للصدى وباعثة للتوحش.

أخيراً أود أن أهمس في أذنك لا اٍنصاف بعدك في هذا العالم الرمادي متجهم القسمات . أود أن أطلب شيئا بسيطا. أطمح في الرد على هذا الخطاب. طلبي المتواضع يدخل في مفهوم العدل. فهل يا ترى أطلب مستحيلا !! ً

30 اكتوبر 2003