وطن يتمزق
عدنان زاهر
"دقشة" أيادي تتشبث بقطعة صغيرة من الورق. تنزلق القطعة وتطير في حركة دائرية متمزقة الى أربع قطع تندفع في الاٍتجاهات الأربع.
مطارات المدن البعيدة تستقبل حزم متباينة من البشر لا يعرفون سوى لغة منسية، كرامة مهدرة، ذكرى غائمة عن وطن متعب و "دماغ" شغله الشاغل شبر أمان.
(ألم أقل لكم) ضاع الصوت الآسف الحزين في هدير الحركة وتزاحم الباحثين عبثاً عن صديق أو قريب في صالات الاٍستقبال المتناثرة، لا يهم هم لايريدون سماع صوت الماضي وهو لا يريد تكرار خيباته.
هل ستكون تلك القطع المندفعة في الاٍتجاهات الأربع هي التمزق الأخير؟! أم تتمزف هي الأخرى الى قطع أصغر تطير هي الأخرى في اتجاهات اكثر بعدا؟!!
(أوراق الشجر الذابلة تتبعثر بلا حواجز)
هل (فيروس) المليون ميل مربع الموسوم في تلك القطعة المتبعثرة يمكن أن يصيب الآخرين بداء عشقه؟!!!
(العشق يجذب من هو أهل له).
في تلك المدن الجديدة والمتنائية تكفي شهادة متواضعة تقول بأنك من وطن يتمزق لتجد مكانا في (جيتو) المشردين والموصومين بالفقر ولون البشرة. هنالك مؤسسات تقنن وتسهل كل شئ فالكونية الجديدة اضافة الى نهبها العالمي تتولى أيضا تنظيم وتخفيف آلام المعذبين والمشردين. لكي تستمر في السيادة ويجب أن تكون أكثر ذكاءا. لا تقلق البتة فسوف تحصل في بداية المشوار على كل ميزات التوسل المحترمة. مرتب شهري معفى من الضرائب.
برامج لتعلم كل لغات العالم ما عدا لغة وطنك. وفرص (قوية) لدراسات عليا. ستتردد من حين لآخر على مكاتب تعطي الطعام بلا مقابل تدعى تأدباً ببنوك الطعام. اٍنه الاسم الذي سوف يلتصق بذاكرتك الجديدة بديلا عن الصدقة.
أخيرا وبعد سنين طويلة مجهدة سوف تجد نفسك مع آخرين يقاربونك سناً في دار يسمى دار المسنين. حتماً سوف تفتقد في هذه الدار الوقورة حنان الأبناء، أبناء الأخوان والأخوات، بنات العم وأصدقاء الحي رفاق الطفولة ولكن ذاكرتك (المدربة جيداً) سوف ترضخ سريعاً للنسيان لأن مثل تلك العلاقات توصم بأنها من قبيل التخلف المرتبط بسمة تدني وسائل الاٍنتاج!!!
ستجد عملاً يدر عليك مبلغاً محترماً بالدولار،وعندما (تقبضه) ستحس بالسعادة لأنك أصبحت مليونيراً بعملة المليون ميل مربع. بالتأكيد سوف تنفق ذلك المبلغ في اسبوع مقابل تكاليف الحياة الباهظة، لا يهم لأن احساسك المليونيري لن يفارقك لحظة وستنسى بأنك تقوم بعمل وضيع يطلقون عليه (تخفيفاً)- وهم ماهرون في (شقلبة) المفاهيم- (Survival Jobs) أو الوظائف المنقذة للحياة وهي ترجمة غير دقيقة بالطبع وفقاً لمعايير كليات الآداب والترجمة. هذه الوظائف المطلية من الخارج بألوان قوس قزح هي في حقيقة الأمر الشكل الآخر للعبودية في زمن الشركات عابرة القارات وحقبة حقوق الاٍنسان.
لا تغضب ولا تشغل نفسك كثيراً لهذا التدهور والسقوط العمودي حتى القاع، لأنك أن فعلت ذلك ستنفجر أحد أوردتك الدموية ولن يجد جسدك – الزاوي مع السنوات- مكاناً في الأرض ليدفن فيه. بعد حريق (فني) ستعلب بقاياك في مزهرية ملونة صغيرة توضع مع شريط أسود يلصق بها في مكان آمن في صالون الزوار لتذرف عليك الدموع في المناسبات. اٍن المنجمين يصدقون كثيرا في تلك النواحي من الأرض لأن كثيرا من الأسر المهرولة والمندهشة سوف تتناثر - كحبات العقد- هذا التعبير كلاسيكي ولكنى مغرم به ويبدو أن ذلك يرجع الى زمن سابق كان أجمل عقد نظرت اليه يطوق عنق حبيبتي. هنالك عدة تفاسير لهذا الشتات الحتمي أو التناثر أو اذا شئت بلغة الساسة المتداولة اليوم التفكك ولكن كل تلك التفاسير تراوغ السبب الحقيقي.
ستصبح العودة لديك حلم عزيز المنال، تضاعفه صعوبة الامكانيات والرغبة والقدرة للرجوع للماضي أو الخلف رغما عن فهمك أن العودة للجذور لا تعني بالضرورة معانقة التخلف.
ستمتلك خلال فترة وجيزة كل مخترعات عصر التكنولوجيا والرفاهية، عربة فارهة (لنج)، كمبيوتر عالي التقنية، هيدفون، فرشة أسنان كهربائية وكاميرا ديجيتال للتوثيق. باختصار سوف تمتلك كل أدوات ( الشغل) لزوم الانتماء لحضارة أكثر سمواً.
لكن مع كل تلك (الشرشحة) ستعرف أنك مهما اقتنيت من وسائل ترف فهنالك أشياء لن تستطيع الحصول عليها، أشياء لن تجد لها بديلاً. تسقط أحياناً – تكرر كثيراً كلما تقدم العمر- على كاهلك المثقل بأحمال الزمن دون ميعاد مسبق. غالباً ما تأتي في امسيات الشتاء الباردة والقاتمة. تلك الأشياء هي
رائحة الدعاش بعد المطر مخللة بأنفاس (الزبالة)
(قعدة) الكراسي و (لمة) الأصحاب امام باب المنزل
رقة مياه النيل وغناء القماري في (العصاري).
أخيرا كل تلك الأشياء والحكاوي يمكن التعامل معها، (طبطبتها) أو قل احتوائها. ولكن ما لم يمكن احتماله أو التعايش معه هو أن ترى أمام عينيك وأنت عاجز ومن على البعد وطنا يتمزق.
2 مايو 2004