لا زلت أبحث عن الاٍنصاف بعد عامها الرابع

عدنان زاهر

أحاول بقساوة تجافي طبعي ألا أمشي مع الحزن حتى نهاياته، وذلك في اعتقادي ما يعمق حزني. هل هذه بداية موفقة لهذه الرسالة التي ترددت كثيرا في كتبتها....لا أدري.

ما دفعني للكتابة بعد تلك الاٍنقطاعة الطويلة سببين. السبب الأول هو اليوم 24/11 (2005-2001) يوم انسحابك بهدوء مدو، والسبب الثاني رغبة مكتومة في الفضفضة التي أفتقدتها لزمن طويل. اظن أن ذلك حقا مشروعا كباقي الحقوق – أقصد حق الفضفضة – والاٍنسياب الاٍنساني. لن ألتزم بالتسلسل المنطقي للأفكار، سأكتبها كما ترد بكرا اٍبان قفزات السمكية الأولى وعند ولادتها المتعسرة وانفكاكها من حبلها السري.

حسنا هل تعرفين داء السرعة؟ هل سمعت به في حياتك القصيرة؟ لا أعتقد ذلك.....ففي زمان المهلة الذي عشناه سويا لم يكن هنالك ما يستدعي العجلة. أصبت بهذا الداء هذه الأيام، أود قضاء كل الأشياء دفعة واحدة، بل أتمنى أحيانا أن تكون كل الأشياء محفوظة في كبسولة واحدة لأقوم بابتلاعها. أضع أمامي كتاب للقراءة، أوراق للكتابة، طبق ملئ بالطعام الجاهز للأكل، صفحة اليكترونية مفتوحة، تلفزيون يذيع نشرة الأخبار، أغنية حنينة على كاسيت وأخيرا "حلة" على النار أقوا بطهيها. بديهي أن أفشل في اٍتمام أي منهم. أحس فجأة بالملل والاٍحباط لأسرع بالاٍستلقاء على السرير لأنوم نوما متقطعا، أفشل فيه أن أحلم لأنني ببساطة أريد أن أحلم بكل الأشياء دفعة واحدة!! بالمناسبة سمعت تفاسير متعددة لتشخيص ذلك الداء، ولكن جميعها لم تكن مقنعة.

أكتب اٍليك وأنا أستمع لموسيقى تسمى موسيقى "الراب" ولمغني يدعى "فيفتي سنت". يقسم عدد كبير من الشباب هنا أنه نبي العهد الجديد بالرغم من أن ماضيه يرتبط بالعصابات والجريمة المنظمة. أرجوك أن لا تندهشي كما أندهش أصدقائي الذين يسمون ذلك السلوك أي الاٍعجاب بموسيقى الراب "اٍنجهالة" وأسمها أنا محاولة للتصالح مع الشباب. البنات كبروا ويستمعون لنفس الموسيقى ونفس الأغنيات ولا يمكن اٍيقاف ذلك فهذا عصرهم. كم أفتقدك الآن.

في رأيي أن موسيقى الراب لها ايقاعاتها الحميمة والحزينة معا. اٍنها تعبر عن ضياع الذات والغربة في مجتمع قسوة جمع المال وسيادة الفردية. أنها تستدعي اٍلى ذاكرتي موسيفى "البلوز" وأغاني العبيد الجماعية وهم يجزفون مكتوفي الأيدي نحو الأرض الجديدة، أو كورالات السود وهم يحصدون القطن في مزارع البيض في الجنوب الأمريكي. اٍيقاع الراب يمثل عمق الحزن ممتزجا بكبرياء الرفض. الكثيرون يتحفظون على كلماتها لتمجيدها العنف، من جانبي لا أتفق مع ذلك التحفظ لأنني أؤمن أن من حق أي جيل أن يعبر ما يحس به وبروح عصره. طبعا سوف تردين بأنني أنحاز دوما للجديد وأشتط في ذلك. لا يهم ذلك الرأي الآن ولن يغير شيئا لأننا نعدو بخفة وبلا كلل نحو الكهولة.

أتذكر في ستينات القرن الماضي كنا نعشق أغاني ألفس برسلي، البيتلز، جيمس براون، جاكسون فايف، ومقطوعات جيمي هندريكس. كان ذلك الاٍعجاب يقابل من الكبار بالاستهجان، بل وصل الحد اٍلى وصفنا بالميوعة.....نعم هكذا. الآن أجد من كان يتبنى ذلك الرأي يحتفظ في مكتبته بتسجيل لأولئك الفنانين باعتبارهم ساهموا في مسيرة تطور الفن ورقي  الذوق الاٍنساني والوجداني!!!

عزيزتي ألا توافقيني أنه لا يمكن لأحد الوقوف في وجه التطور؟ وسيظل الصراع قائما بين الجديد والقديم كما سيتواصل الجذب بين التراث والتطلع نحو الأفق الممتد. أحفظ عدة أسماء من مغني الراب "أم آن أم" و "أسنوب دوك" ، بل أنوي أن أكتب موضوع بعنوان "فتنة الراب واستئناس العنف". اعرف تعليقك (أي......زودتها شوية).

يقول الحكماء أن تقدم العمر يجعل الفرد أكثر تسامحا، أوسع صدرا وأبعد حلما. ذلك بالتحديد ما جعلني أبحث في بطن الكتب القديمة والحديثة، المجلات وأسأل الأصدقاء لتأويل حالتي. لقد أصبحت أضيق نفسا وأكثر غضبا. قد تكون هنالك أسباب متنافرة لا أعرفها ولكنني قررت أن أخضع نفسي لعملية جراحية سوف أعود بعدها واسع البال،      قاري الصدر. لا تقلقي لا زلت مبتسما كما عهدتني.

هل تضجرتي من الشكية؟ تصبري تبقت واحدة فقط. الذاكرة أصبحت هرمة. كنت تحتاري من تركيبة ذاكرتي، ضعفها في بعض الأحيان وحدتها التي تتذكر أدق الأشياء في أحيان أخرى. عندما ذهبنا للطبيب معا، قال أني أملك ذاكرة انتقائية. أنسى ما أرفضه وأتذكر ما أعشقه. الآن أصبحت لا أتذكر الاٍثنين ما أرفضه وما أعشقه. أقوم صباحا لأكتب ما أريد تنفيذه ذلك اليوم. لأجد نفسي بعد قليل قد نسيت أين وضعت تلك المفكرة! وتبدأ رحلة البحث والدوامة من جديد. هل ضعف الذاكرة بتلك الكيفية مؤشر لرفض الحياة. لا أريد أن أصل لذلك التفسير المبتسر وأنا العاشق للحياة.

أمسكي الخشب.....هبة الله دخلت المدرسة هذا العام. هذا بالضبط ما حصل و ما لايريد أن يصدقه أحد. هي الآن في الرابعة من العمر، وعندما غادرتي خلسة كانت ذات أربع أشهر. هبة تمتلك الاٍثنين الجاذبية والفطنة، أصدقائي يقولون لي مكايدة "اٍنها طالعة على والدتها" ولم يدروا أنهم حين يمزحون يقولون الحقيقة!

ما يحزنني ويحز في نفسي كثيرا أن البنات يفقدون يوم بعد يوم لغتنا. أحاول المستحيل لمعالجة ذلك وأراهن على المستقبل. ولكن وفق رأيي  اللغة اٍحساس بالوطن وذلك شئ يفتقدونه الآن، وبالتأكيد سوف يجيدون تلك اللغة عند الاٍحساس بذلك الوطن من جديد.

أدرس الآن في اٍحدى الكليات بعض علوم القانون للتطور، أقرأ كثيرا في مختلف المواضيع وأحاول الكتابة باعتدال، تلك هي حياتي الآن. البنات يسرن على نفس الدرب وسارة ستلتحق هذا العام بالجامعة و قد تقدمت لمنحة هي تستحقها عن جدارة وسوف تنالها.  

انصاف...هذه الأيام أتساءل كثيرا هل تغير طعم الحياة أم تغيرنا نحن؟! ولا زلت حائرا ومتنازعا في الاٍجابة. هل تودين أن تعرفي ماذا أتمنى الآن وأنا أكتب اٍليك؟ أتمنى "جلسة" في حوشنا الكبير بأمدرمان، أرتشف فنجان "جبنة " من قهوة حبوبة "مريم"، وأقهقه عاليا بصفاء راشقا بقدمي في الفضاء، منتظرا صينية العشاء وبالطبع أن يكون أحد أهم أطباقها "فولك" الظريف. هل أبالغ!!!!

 2 ديسمبر 2005