فلاش باك !
عدنان زاهر
من عجائب الأشياء التى تصادف المرء خلال تتبعه و تصفحه لمسيرة التطور السياسى فى بلدان العالم ، أن يصدم بمعرفة أن النازية فى المانيا قد وصلت السلطة عن طريق صناديق الأقتراع ! . بكلمات عارية بلا رتوش او غطاء، ان قطاعات عريضة من الشعب الالمانى قد حملوا قادة النازية الى مقعد السلطة الوثير، طالبين منهم حكم المانيا !! حدث ذلك فى الثلث الأول من القرن العشرين، و اروبا تحمل فى يديها مشعل النور و المعرفة والديمقراطية ، متوجهة ببصرها نحو شعوب العالم الاخرى ان يتبعوا خطاها وأن يحذو حذوها. احتفاء الشعب الالمانى بالنازية قد تم رغم بشاعة الفكرة النازية ، اكتنازها و تورمها العنصرى و ارتدائها معطف التفوق و النقاء العرقى،الذى كان مضمونه افضلية الجنس الآرى و الايمان و العمل لابادة اليهود و الشعوب الاخرى الموسومة فى عرفهم بالدونية و التخلف.
بالطبع هنالك حقيقة قوية لا يمكن تجاهلها او القفز فوقها و هى ان الوصول الدراماتيكى النازى للسلطة لم يتم فقط بالوسائل الديمقراطية ، بل استخدمت النازية كل الطرق الملتوية و التى تتنافى مع القانون و الديمقراطية. النازية فى عدوها النهم نحو السلطة استخدمت العنف البدنى لارهاب الخصوم وقطاعات المجتمع المترددة فى تاييدهم وذلك بواسطة مليشياتها المرتدية للقمصان بنية اللون. استخدموا الرشوة و الابتزاز، المكائد القذرة، الكذب و تشويه سمعة الاخرين و تضخيم سلبياتهم و اخيرا تصفية الخصوم. عندما "تحكرت" النازية فى السلطة استخدمت الوسائل الديمقراطية لؤاد تلك الديمقراطية التى اتت متسلقة على اكتاف اريحيتها. صار هتلر "الفوهرر" هو القائد الأوحد لالمانيا و حل محل كل المؤسسات الديمقراطية.اصبح قسم الولاء يؤدى له شخصيا و ليس للدولة الالمانية ثم صار ما يخطرف به هو رأى الدولة الرسمى. يقول المؤرخون- الذين يحلو لهم الحديث كثيراعن النازية- ان هنالك اسباب موضوعية مهدت السبيل لوصول النازية للسلطة، بالاضافة الى ذرائعية النازية و استخدامها الذكى لتلك الاسباب لاستقطاب الجماهير حولها. أهم تلك الاسباب هى :
1- الازمة الاقتصادية التى ضربت العالم عام 1930 بما فيها المانيا و جيوش العاطلين من الشباب الألمانى و الجنود العائدون من الحرب العالمية الثانية باحباط الهزيمة.
2- ازدواجية المعايير التى تعاملت بها القوى فى اتفاقية "فرساى" و حجبها تطبيق مبدأ تقرير حق المصير بالنسبة لشعوب المانيا ، و استغلال النازية هذا العامل لالهاب الشعور القومى.
3- انحياز الرأسمالية الصناعية فى المانيا، و الطبقة المتوسطةالمتمثلة فى اليمين المتزمت للنازية للحفاظ على مصالحهم بعد ان أحسوا بضعف السلطة الحاكمة فى المانيا "جمهورية ويلمر" و عجزها عن حماية تلك المصالح، اٍضافة اٍلى الالتقاط الراضى لطعم الدعاية النازية بتهديد الشيوعية واليهود لمصالح المانيا العليا.
و من المفارقات المذهلة ايضا التى تلفت الانتباه بقسوة فى ذلك التصفح العابر، هو ذلك الانتقال الصادم لعدد غفير من المتعلمين والمثقفين الى معسكر النازية الرابحة للسلطة. يقول مؤرخ بريطاني يدعى "مايكل لنش" في كتاب له باسم "المانيا النازية" (تدافع التكنوقراط لتأييد السلطه النازية حماية لمصالحهم، وتبع تلك الهرولة نحو المعسكر النازي جحافل المثقفين، الفنانين، الموسيقيين.) ويضيف المؤرخ مايكل (كان ذلك سببا جوهريا في تماسك السلطة النازية وازدهارها ودعم مصداقيتها.) وفي تقديري فإن في ذلك التحليل كثير من الحقيقة. لابد من الاضافة هنا، أن هناك من الشعب الألماني من وقف في وجه ذلك المد الغوغائى، ولكن كان ذلك بمثابة محاولة وقوف شجرة في مواجهة عاصفة سناموية.
يقول بروفسر الماني عجوز عايش تلك الفترة في لقاء معه في التلفزيون الكندي وهو يحكي بأسى وحزن (لم نصمت وضحى الكثيرون بحياتهم وهم يواجهون تلك الهجمة العمياء. بالطبع هنالك بعض المثقفون الذين آثروا السلامة وانزووا بعيدا يشاهدون ما يحدث.) الحقيقة الفاجعة تظل بأن هنالك قطاعات من المثقفين- وهم طلائع المعرفة الانسانية للامم- قد انضموا بكامل قواهم العقلية الى معسكر الانتفاء العقلي والوجدان السليم. ولسنا في حاجة لان نقول ان النازية قد انهزمت في آخر الامر.
محاولات استلاب العقل وتجميده، وموقف التكنوقراط والمثقفين في المانيا المثير للدهشة، يستدعي الي الذاكرة مواقف مشابهة ومعاصرة في التطور السياسي السوداني. في الأيام الاولى لانقلاب الانقاذ والسلطة تمارس عنفها المنفلت، واستباحتها لكل التراث السوداني لدعم افكارها الدكتاتورية. كان ارهاب السلطة يستهدف ابتزاز الخصوم السياسيين، امتطاء حصان الشعور القومي لارهاب الآخريين وتحويل الحرب في الجنوب الى حرب جهادية والتي ترجع اسبابها الى ظروف تاريخية واقتصادية وسياسية وثقافية. وضعوا الشعب السوداني امام خيارات صعبة وهي اما الانضمام لهم او الصمود أمام اتهاماتهم بمفارقة الدين المتمثل في شعاراتهم، أو الأتهام بخيانة الوطن باعتبار انهم الوطنيون والآخرين (طابور خامس). كانت طأطأة الرؤوس والقبول بتلك الخيارات يعني السكوت عن الاستبداد بل دعمه. في تلك اللحظات الحرجة والحاسمة من تاريخ الشعب السوداني، انضمت مجموعات من التكنوقراط كبار موظفي الدولة الى السلطة الغاصبة حفاظا على مصالحهم البائسة. اثروا ترديد كلمات (ياهو دي) في معسكرات الدفاع الشعبي تحت اٍمرة صبية الجبهة ومستجدينها، والتي اقيمت خصيصا لاعادة تشكيلهم ليتواءموا وطهارة الانقاذ. لاحقا انضم اليهم عددا معتبرا من المثقفين والمتعلمين وشاركوا بحماس وكفاءة عالية في مؤتمرات الانقاذ المتواترة. تتباين الأسباب التي أدت الى نزوح اولئك النفر، ولكن القاسم المشترك لذلك النزوح كانت الانتهازية الكسيحة وانعدام البصر والبصيرة. المهم أن ذلك الدعم المبكر ساهم في توطيد السلطة وكسبها لمصداقية وشرعية كانت تبحث وتلهث راكضة للحصول عليها.
في النهاية نريد أن نقول، تمر احيان في تاريخ التطور السياسي للشعوب اوقات يختفي فيها صوت العقل، ويتراجع الوجدان السليم عن الحكم على الأشياء تحت سياط المد الغوغائي، في تلك اللحظات تتدافع بعض القوى مسرعة نحو معسكر الاستبداد "الأمان الوقتي" ، ولكن بالرغم من ذلك يظل هنالك بعض الرافضون والمقاومون ببسالة نادرة لذلك التيار. مع الزمن تتكاثر اعداد الرافضين وتتراجع سلطة الاستبداد ثم تزول. هذا حكم ومنطق التاريخ لمن يقرأه بتمعن.
2 نوفمبر 2006