حرب اللغة

عدنان زاهر

اللغة في السودان تكتسب أهمية اٍستثنائية وذلك للتباين الاٍثني والعرقي، وهي واحدة من المسائل التي حظيت باهتمام خاص في العمل السياسي. وقد نوقشت باٍسهاب في اٍتفاقيات نيفاشا بين الطرفين: السلطة والحركة الشعبية.

أقول ذلك وأنا أطالع بدهشة وقلق متزايد ومتجدد، خبرا جاء في في صحيفة الرأي العام بتاريخ 24/5/2006 تحت عنوان "عقار يقطع بيانه بسبب اللغة". مضمون الخبر، أن مالك عقار وزير الاٍستثمار وهو يلقي بيان أداء وزارته للعام الماضي وخطط العمل الجاري أمام البرلمان، كان يجيب على الأسئلة الملقاة عليه باللغة العربية والاٍنجليزية. قاطعه رئيس البرلمان آمرا له بالتحدث باللغة العربية لأن هنالك مشاكل ترجمة!!

كما طالب أحد النواب في البرلمان وهو يتبع لحزب المؤتمر الوطني بأن يتحدث الوزير بالعربية لعدم فهم النواب اللغة التي يتحدث بها!! وعندما واصل الوزير ردوده بنفس النهج، خرج رئيس البرلمان من الجلسة بعد أن أوكل اٍدارتها لنائبه اتيم قرنق. بعد ذلك أجلت الجلسة لاٍتمام المناقشة.

وقبل الدخول في مناقشة مسلك رئيس البرلمان – أعلى سلطة الاٍنقاذ على المستوى النظري – المتصف بالتعالي والعنجهية، ذلك السلوك المنحاز الذي جعل أركان السودان الأربع تشتعل بالحروب والتململ الذي أخذ كفايته من الصبر. أود ابتداءا أن أورد ما جاء في اٍتفاقية نيفاشا الموقعة من جانب الشريكين في السلطة بشأن اللغة.

الجزء الثاني من الفصل الأول، تحت عنوان "السلطات والمؤسسات على المستوى القومي" جاء الآتي:

2-8 اللغات

2-8-1- تعتبر جميع اللغات المحلية لغات قومية يجب اٍحترامها وتنميتها وتعزيزها.

2-8-2- اللغة العربية هي اللغة المنطوق بها على أوسع نطاق في السودان.

2-8-3- تكون اللغة العربية باٍعتبارها اللغة الرئيسية على الصعيد القومي واللغة الاٍنجليزية، اللغتين لأداء أعمال الحكومة القومية ولغتي التدريس في التعليم العالي.

2-8-4 علاوة على العربية والاٍنجليزية يجوز لهيئة التشريع في أي مستوى من مستويات الحكم اٍعتماد أية لغة وطنية أخرى كلغات عمل رسمية على مستواها.

2-8-5 لا يجوز التعصب ضد اٍستخدام أي لغة منهما على أي مستوى من المستويات الحكومية والتعليمية. 

كما هو واضح من المواد التي قمنا باٍيرادها من اٍتفاقية نيفاشا، فيحق للوزير المختص وفي هذه الحالة وهو يقوم بأداءه الرسمي التحدث بأي من اللغتين العربية أو الاٍنجليزية في سرد وتوضيح أداء وزارته. بل أن الاٍتفاقية قد ذهبت أكثر من ذلك وأعطت الجهات التشريعية في اعتماد أي لغة قومية في التعامل الرسمي.

بعد ذلك نأتي اٍلى موقف رئيس البرلمان السوداني الاٍنقاذي، ففي اٍعتقادي أن السبب الذي قام بطرحه مبررا اٍصدار أمره للوزير للتحدث باللغة العربية، متهافت وغير مقنع ويعكس موقفا أيديلوجيا متكاملا تجاه الثقافات الأخرى هذا من جانب، أما من الجانب الآخر فهو يعكس ركاكة العمل البرلماني السوداني. لتوضيح هذا الرأي أذكر الآتي:

1) يفترض في رئيس البرلمان العلم بأن اللغة الاٍنجليزية هي لغة رسمية للدولة وبذلك لا يملك الحق في أن يفرض على الوزير التحدث بالعربية.

2) في حالة وجود من لا يفهم اللغة الاٍنجليزية فمن المفترض أن تكون هنالك وسائط للترجمة، أو مترجمين متفرغين لأداء هذه الوظيفة. وذلك ليس بدعة فهو شكل معمول به في كل العالم.

3) حتى لو اٍفترضنا عدم وجود مثل هذا الشخص المترجم وذلك قصور اٍداري ومهني، كان يمكن أن يوكل لأي عضو في المجلس تلك المهمة، وفي حالة الاٍستحالة يقوم بتأجيل الجلسة وليس الاٍنسحاب منها.

4) ليس هنالك غضاضة في اٍستعمال اللغتين، فقد درج في التعامل أن يستخدم الأخوة الجنوبيون أو أي شخص غير ناطق بالعربية اللغتين في توضيح آرائهم. بل أن هنالك كثير من الشماليين يستخدمون الاٍنجليزية في توصيل أفكارهم.

يبدو أن موقف رئيس البرلمان ليس وليد اللحظة، بل هو موقفا فكريا متكاملا تجاه الثقافات الأخرى في السودان ويشترك معه فيه نخبة من قادة الاٍنقاذ، بالرغم  من توقيعهم اٍتفاقية نيفاشا ويطفو على السطح في مثل هذه المواقف.

 اٍن موقف رئيس البرلمان يعكس نظرة دونية تجاه الآخرين، وكأن الوطن حكرا على من يتحدثون العربية، وكأن التباين العرقي و الثقافي الذي أقرت به كل التنظيمات السياسية بما فيها سلطة الاٍنقاذ - التي ضمنته في اٍتفاقياتها ومواثيقها- غير موجود أو لا يحق التعامل معه.

 اٍن الاٍنقاذ لم تغير غير جلدها وهي تحاول فرض أجندتها بطرق أخرى ملتوية، وما تلك المواقف المتناقضة والمتنافرة بين قولها و فعلها، والتي تظهر بين قضية وأخرى اٍلا اٍنعكاس لما تؤمن به حقيقة.

29 مايو 2006