هل حرب دارفور هي حرب "البسوس"؟!!
عدنان زاهر
التاريخ العربي الجاهلي يحكي كثيرا عن حرب "البسوس"، وهي الحرب التي دارت رحاها بين قبيلتي تغلب وبكر رغم ما يربط بينهما من أواصر دم واستمرت لفترة أربعين عاما. يقول الرواة أن كليب الذي افترى وتجبر بعد زعامته لقبيلة بكر قد قام بقتل "ناقة" تملكها اٍمرأة من تغلب تدعى البسوس و هي خالة لفارس مقدام يسمى جساس بن مرة، الذي اٍستفزه ذلك الفعل فقام بقتل كليب. كان ذلك القتل الاٍنتقامي الثأري السبب المباشر لحرب اٍستمرت طيلة أربع عقود بين القبيلتين، وقد استلهم وقائع تلك الحرب الشاعر المصري الراحل أمل دنقل فكتب ملحمة شعرية لم تكتمل لوفاته تعتبر بحق واحدة من أجمل الأعمال الشعرية في العالم العربي المعاصر.
قفزت تلك القصة اٍلى مخيلتي دون جهد في استدراجها وأنا أقرأ ما قاله الرئيس عمر البشير في خطبة ألقاها في مناهضة التدخل الوشيك لقوات الأمم المتحدة في دارفور لوقف نزيف الدم والمذابح التي تجري هنالك ومستهينا ومقللا من قيمة الدراسات التي تؤسس لقيام تلك الحرب ، ذاكرا أن الحرب المدمرة في دارفور قد "بدأت بسرقة جمل". ووفقا لتلك المقولة ذات الدلالات والاٍيحاءات السالبة التي تحملها فأن السامع لها يصل اٍلى نتيجة مفادها أن تلك الحرب المستمرة لفترة ثلاث أعوام والتي قتل فيها أكثر من 300 ألف شخص كما شرد أكثر من مليوني شخص آخرين يهيمون على وجوههم في حدود الدول المجاورة أو يلوذون بالمعسكرات التي تفتقر اٍلى أبسط مقومات الحياة الاٍنسانية تفتقر اٍلى أسبابها الموضوعية أو هي مجرد "شكلة" قبلية! وذلك بالضبط ما قصد اٍيصاله!
اٍن التبسيط المخل ومحاولة اٍيهام المستمع أو القارئ أن تلك الحرب مجرد ثأرات بين القبائل أو معارك اٍنتقامية ذلك الرأي يقود بالضرورة اٍلى اٍستنتاج منطقي آخر أن تلك الرقعة من الأرض تفتقد في حياتها وممارساتها اٍلى الحكمة، اٍتساع الأفق والخبرات. وهو يؤسس لنفي حضارة وثقافة لدولة ومملكة امتدت حدودها حتى كادت تصل لمدينة أمدرمان. مملكة كانت تقوم بكسي الكعبة وتحافظ من خلال حكمها العادل والمتزن على نسيج اجتماعي وقبلي يشابه ألوان قوس قزح، أرض سقطت آخر ممالكها بعد معركة كرري بما يقارب العشرين عاما.
اٍن محاولة اختزال ووصف الحرب بشكل مبتور وجازم وفي جملة واحدة "بدأت بسرقة جمل" تجعل من حق المتلقي "المندهش" أن يلقي بعدد من الأسئلة مطالبا بالاٍجابة عليها، من ذلك الذي سرق الجمل؟ ومتى تم ذلك؟ واٍلى أي القبائل ينتمي؟ وماهي صفات ذلك الجمل الذي قاد اٍلى هذه الحرب المهلكة؟ وكيف تورطت حكومة الاٍنقاذ في ذلك الصراع منحازة لجهة دون الأخرى وهي المناط بها حلها؟ ....الخ
اٍن الحرب الدائرة في دارفور ليست هي حرب البسوس وليس من ضمن أسبابها سرقة جمل أو مقتل ناقة بل لها أسبابها الموضوعية التي تناولها أهل دارفور والمهتمين بقضايا الوطن عامة، ولا بأس من تكرارها مرة أخرى.
اٍن الأسباب الجوهرية لتلك الحرب:
1) هي التنمية غير المتوازنة بين المركز والهامش
2) هي التقسيم غير العادل للموارد والسلطة
3) هي الاٍهمال المتعمد وعدم الاٍكتراث لقضايا ذلك الاٍقليم
4) هي اٍستخدام العامل الاٍثني من جانب سلطة الاٍنقاذ لتأجيج الصراعات بين القبائل للحفاظ على سيطرتها
5) هي محاولات التغيير في الأرض بمحاولة اٍحلال قبائل في أماكن قبائل أخرى
6) هي خلط الاٍنقاذ المتعمد للحدود الاٍدارية بين القبائل
7) هي تجاهل الاٍرث التاريخي والعرف المتراكم في ذلك الاٍقليم في كيفية حل الخلافات.
اٍن تعمد تجاهل الأسباب الحقيقية للحرب لن يؤدي فقط اٍلى عدم حل تلك المأساة بل يزيد من تأججها واِشتعالها.
يقول أحد الكتاب في كتاب صدر له من قبل فترة يحلل ما جرى ويجري في سجن "أبوغريب" الذي يدار بواسطة القوات الأمريكية المحتلة للعراق في سياق آخر ما معناه ( اٍن الاٍنفلات القانوني والاٍخلاقي يبدأ من الغموض والاٍلتباس اللغوي اٍذ من السهولة التنصل حينما يضفي المرء الغموض وعدم الوضوح على الحقيقة كما أن الأفعال المشينة أو المقيتة من الممكن الدفاع عنها اٍذا ما أطلق عليها اٍسم آخر.) ونضيف نحن أن اٍنكار الحقيقة أو تجزئتها تقود اٍلى نفس النتيجة بل تعمل بشكل مباشر اٍلى تجزئة الوطن وجعله أشلاء يصعب جمعها.
29 مارس 2006