المحكمة الجنائية الدولية خيار عدلي و اٍنساني متقدم

3-1

(1)

عدنان زاهر

اٍستهلال تاريخي:

يقال أن هتلرعندما كان يضع الخطط للقضاء على اليهود في أوربا أبدى أحد مستشاريه قلقه وانزعاجه من ردود الفعل العالمية ازاء ذلك العمل فرد عليه هتلر في حسم:(هل حاسب أحد مرتكبي مذابح أرمينيا والتي راح ضحيتها زهاء النصف مليون أرمني ، أو حتى حاسب أحد مرتكبي الجرائم ضد كثير من الشعوب في أرجاء الكرة الأرضية ، وأخيرا هل تمت محاسبة أحد على ارتكابه جرائم ضد شعبه؟)!!!

التاريخ أيضا يسترجع قول أحد الديكتاتوريين وهو يقول في سياق آخر مزهواً أنه في حين أن موت شخص واحد يمكن أن يمثل مأساة فإن موت الملايين يتحول اٍلى مجرد اٍحصائيات.

تلك الآراء تعكس المدى الذي وصل فيه الاٍٍستهتار بالاٍنسان وترسم صورة مزرية للاٍستهانة بالعدالة. تلك الأقوال المستفزة المنفلتة والمستهترة بالمجتمع الدولي والحالة التي وصلت اٍليها حالة حقوق الاٍنسان دفعت العاملين في المجال الحقوقي والفلسفي والديني والمهتمين بحقوق الاٍنسان عامة في العمل الجدي المتواصل لخلق آلية ضبط جنائي دولي لوقف ذلك العبث.

يزعم المؤرخون أن سعي الاٍنساني لخلق آلية (ميكانزم) للضبط الدولي بدأت عند ظهور القرصنة البحرية ومهاجمتها للسفن التجارية في أعالي البحار وتهديد التجارة والفائض التجاري المتنامي. وكانت تلك المحاولات تهدف لوقف التجاوزات و أعمال الاٍنفلات الدولي الذي يهدد الرخاء للاٍمبراطوريات الحاكمة في ذلك الوقت.

المحاولة الجادة الأولى بدأت عندما ظهرت الفكرة مستحية في (فرساي) من جانب الحلفاء المنتصرين لمحاكمة اٍمبراطور ألمانيا ويليام الثاني بالاٍضافة لمحاسبة ومحاكمة أولئك الأتراك المتسببين في ارتكاب أبشع مجزرة في حق الشعب الأرمني وذلك باٍبادة مليون شخص والتي أجمع كل المؤرخين على أنها أكثر الأعمال دموية وهمجية في التاريخ. ورغم أن محكمة فرساي فشلت في محاكمة القيصر أو حتى محاكمة المتسببين في مجزرة الأرمن اٍلا اٍنها كانت طفرة متقدمة في التأسيس لعدالة دولية.

الحرب العالمية الثانية صدمت بأهوالها الضمير العالمي الذي لم يكن يتصور أن تأتي حرب تفوق في أهوالها الحرب العالمية الأولى . ونتيجة لتلك الفظائع المرتكبة في الحرب العالمية الثانية تكونت محكمة (نورمبرج) لمحاكمة زعماء النازية والمتسببين في جرائم (الهلوكوست). كما كونت أيضا في تلك الفترة محكمة طوكيو لمحاكمة مرتكبي الاٍبادة الجماعية من اليابانيين ضد شعوب الشرق الأقصى. كان المتفائلون يظنون أن فظائع الحرب العالمية الثانية ستكون خاتمة المطاف في تاريخ العنف البشري ولكي لا يتكرر من جديد.

ولم ينقض عقد من الزمان أو أقل حتى انفجرت الحروب مرة أخرى متخذة أشكالاً جديدة ومتعددة أبرز ما يميزها هذه المرة محدودية المنطقة التي تجري فيها الأحداث ووحشيتها ودمويتها التي فاقت كل ما سبقها من تجاوزات.

وكما يحدث دائماً كل ما فجعت الاٍنسانية بحدث يهز من ضميرها ووجدانها كونت محكمة  (يوغوسلافيا) لمحاكمة المتسببين في الاٍنتهاكات الاٍنسانية في ذلك القطر منذ العام 92 في البوسنة وكرواتيا وكوسوفو واختيرت لاهاي مقراً لها. كما كونت بعدها بسنوات قليلة محكمة رواندا  في العام 94 لمحاكمة المتسببين في المآسي التي وقعت في هذا البلد الصغير وذلك من يناير عام 1994 وحتى ديسمبر عام 1994 بين التوتسي والهوتو والتي كادت أن تؤدي باٍبادة جني التوتسي. توجت الاٍنسانية جهودها الدؤوبة في اٍنشاء قضاء دولي قادر على محاكمة مرتكبي الجرائم التي هزت الضمير العالمي في حيدة واستقلال تامين وللتصدي للاٍنتهاكات المتكررة في العالم باٍنشاء المحكمة الجنائية الدولية.

اجتمعت في روما وفود ممثلة لمائة وستون دولة في المؤتمر الدبلوماسي لاٍنشاء المحكمة الجنائية الدولية من الفترة 15 يوليو حتى 17يوليو 1998. في 17 يوليو تم  التصويت بشأن تبني النظام الأساسي للمحكمة والوثيقة الختامية لها وفتح باب التوقيع على الاٍتفاقية في اليوم الثاني ، وصوتت وفود 120 دولة بالموافقة ووفود 7 دول بعدم الموافقة بينما امتنع وفود 21 دولة من التصويت.وقد دخل نظام روما الأساسي حيز التنفيذ في الأول من يوليو 2002 وعقدت الدورة الأولى الاٍفتتاحية للمحكمةالجنائية في لاهاي في 11 مارس 2003.

 المحكمة الجنائية الدولية جهازا قضائيا مستقل قائما بنفسه تم تشكيله بناء على الميثاق الدولي في روما ، ولذلك فهو ليس بمنظمة من منظمات الأمم المتحدة اٍلا أن العلاقة مع المنظمة ينظمها بنود من ميثاقها وبعض الاٍتفاقيات الرسمية.

المحكمة الجنائية الدولية تختلف عن محكمة العدل الدولية أحد المنظمات الست الرئيسية في الأمم المتحدة وذلك الاختلاف يتمثل في أن محكمة العدل الدولية تختص بحل المنازعات بين الدول ، بينما يقتصر دور المحكمة الجنائية الدولية في نظر الجرائم التي يرتكبها الأفراد.

المحكمة الجنائية الدولية أيضا تختلف عن محكمة يوغسلافيا ورواند الدوليتين والاٍختلاف الجوهري يتمثل (هنالك اختلاف قانوني في الاٍختصاص سوف نتعرض له لاحقاً) في أن محكمتي رواندا ويوغسلافيا هي محاكم مؤقتة أنشئت بمقتضى قرارات مجلس الأمن عملا بأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بالاٍخلال بالأمن والسلم الدوليين. وكان أحد أهم الاٍنتقادات التي وجهت لهاتين المحكمتين أنهما وليدتا مجلس الأمن وبتلك الصفة فهما لا يتمتعان بالاٍستقلال المنشود. أما المحكمة الجنائية الدولية فقد أنشئت باتفاق المجتمع الدولي لتحقيق حلم راود الاٍنسانية طويلا. ذلك الحلم يتمثل في تكوين صرح عدالة دولي مستقل ويحترم السيادات الوطنية ويشجع القضاء الوطني لمحاكمة المجرمين المرتكبين لجرائم ذات طابع دولي.

المحكمة الجنائية والقضاء الوطني:

تمت مناقشات عميقة ومتنوعة من قبل الأعضاء قبل التوقيع على ميثاق المحكمة في روما حول العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية والقضاء الوطني ، وكيفية تحديد تلك العلاقة حتى لا يحدث أي شكل من أشكال التجاوز. بكلمات أكثر تحديداً دار النقاش حول مسألة سيادة الدولة القضائية على اٍقليمها ورعاياها أو ما يتم التعبير عنه  بالولاية الجنائية للدولة وذلك اٍعمالاً لمبدأ  اٍقليمية النص الجنائية. مرد ذلك النقاش المطول الذي اٍشترك فيه الجميع كان نابعاً من تخوف الدول الأعضاء من تغول المحكمة الجنائية الدولية على الدول ، وذلك التغول بالضرورة يعني المساس  بالسيادة الوطنية. نتيجة لذلك فقد حرص واضعي النظام الأساسي للمحكمة في تضمين ذلك الحرص والاهتمام بالسيادة الوطنية الوثيقة الأساسية. يبدو ذلك واضحا وجليا في الفقرات (6) ، (8) ، (10) من الديباجة. ولأهمية ذلك نورد النصوص وهم على التوالي:

(واٍذ نذكر بأن واجب كل دولة أن تمارس ولايتها القضائية الجنائية على ذلك المسئولين عن اٍرتكاب جرائم دولية.)

(واٍذ نؤكد في هذا الصدد أنه لا يوجد في هذا النظام الأساسي ما يمكن أعتبار اٍذنا لأي دولة طرف بالتدخل في نزاع مسلح يقع في اٍطار الشئون الداخلية لأي دولة.)

(واٍذ نؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية المنشئة بموجب هذا النظام الأساسي ستكون مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية. )  

                 يتبع

 

28 ابريل 2005