ظاهرة شعوذة ام استعلاء عرقى متجدد
عدنان زاهر
يقول علماء الاٍنثروبولجي في العالم اٍن الظواهر الاٍجتماعية لا تنشأ من فراغ ولا في فراغ ولكن لكل ظاهرة جذورها الاٍجتماعية والتاريخية والنفسية المنبثقة منها. تداعت هذه الكلمات في ذهني وأنا أطالع خبراً اٍمتلأت به أعمدة الصحف السودانية المتنوعة الشهر المنصرم يتحدث عن ظاهرة عجز جنسي ينتج عن طريق المصافحة باليد. والخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء قد أصاب سكان العاصمة المثلثة بالخوف والفزع، وصار ملح المجالس العامة والمنتديات.
الخبر كما جاء في التقرير الصحفي بقلم الاٍستاذ محمد سعيد محمد الحسن باختصار أحاول ألا يكون مبتسرا (رجال في المدينة يستطيعون اٍصابة الآخرين بالعجز الجنسي وفقدانهم الأعضاء التناسلية بمجرد مصافحتهم ). الخبر يشير اٍلى فتح بلاغات في مواجهة خمسين متهماً تم التحقيق معهم ومن ثم أفرج عنهم لاحقاً ( بعد أن ثبت من الفحص الدقيق سلامة أعضاء الشاكين. ) !!! يقول التقرير - تضيف الدكتورة لواء نور الهدى في مؤتمر تم عقده في الخرطوم لشرح ملابسات الظاهرة ( اٍن تفسيرنا كأخصائيين لهذه الظاهرة اٍن هذا ليس سحراً ولا علاقة لهذا الموضوع بالسحرة .)!!!
يشير التقرير أيضا اٍلى أن الشرطة والنيابة استعانت ( بعلماء من مركز أبحاث الاٍيمان ومجمع الفقه الاٍسلامي لتحليل الظاهرة. )!!! كما أن عدداً من الكتاب والعلماء والمثقفين ذكروا ان الظاهرة لها علاقة بالدجل والشعوذة . اٍضافة الىهذا وذاك ذكرت بعض الصحف اٍن الظاهرة مرتبطة بأناس يأتون من اٍقليم بعينه أو دولة جارة لنا!
وبكلمات نهائية تلخيصية شبيهة بنهايات الروايات الرخيصة تقول أجهزة السلطة الرسمية ( الظاهرة مجرد حالة نفسية شائعة لا مبرر لها وليست عملاً سحرياً- اٍن حدوث مثل هذه الحالات في المجتمع مماثلة للتوهم لدى بعد النساء بوجود حمل كاذب ) !!!
الخبر في مجمله مثير للدهشة من جانب، وباعثاً للتقزز ومستفزاً للعقل والوجدان السليم من جانب آخر. وهو عاكس لمستوى الجهل والتجهيل، الاٍبتذال، فقدان البوصلة والحالة المزرية التي وصل اٍليها المجتمع السوداني . كما يلاحظ أيضاً المتابع لتفاصيل هذه الظاهرة اٍن التفسير والتحليل من قبل الأجهزة الرسمية لأسبابها ومدلولاتها كان هشاً وضحلاً ، غلب عليه منهج التحليل النفسي التقريري مستهدفاً تغبيش الوعي والرؤى مع اٍصرار متأصل منهجيا لاٍلغاء عقول الآخرين.
ولعل السؤال الأكثر عمقاً وذكاءاً جاء في نهاية التقرير الصحفي ولكنه ظل بلا اجابة ، ماهو السبب الذي جعل هنالك مناخاً ملائماً لقبول هذه الشائعة وترويجها وتصديقها؟!! ونحن نزعم الاٍجابة على ذلك التساؤل ولكن قبل ذلك نضيف سؤالاً آخراً من جانبنا، هل هذه الظاهرة جديدة أم قديمة متجذرة متجددة تظهر وفقا لظروف بعينها؟!!
في مناقشة جرت بيني وبين أحد علماء السوسيولوجي في السودان وقبل عدة أعوام وكان ذلك بالتقريب في ثمانينات أو بداية تسعينات القرن الماضي، والمناقشة كانت تتعلق باٍشاعة انطلقت في الخرطوم في ذلك الوقت وتمددت وانداحت حتي شملت كل مدن السودان . الاٍشاعة التي نحن بصدد ذكرها والتي حدثت في الماضي لا تختلف كثيرا عن الشائعة المتداولة اليوم ، والاٍختلاف الوحيد بينهما هو في درجة الاٍسفاف والابتذال والبذاءة . تقول تلك الشائعة ( اٍن أحد العرسان المنتمي عرقياً اٍلى اٍحدى المجموعات الاٍفريقية في غرب السودان وبالتحديد (دارفور) قد قام بأكل زوجته الشمالية (وقرقشتها) في اٍحدى فنادق الخرطوم الراقية واٍبان شهر العسل).
كانت وجهة نظر ذلك العالم اٍن شائعة (أكل العروس) هي تعبير عن الاٍستعلاء العرقي ، الرقابة والوصاية الذي تمارسه القبائل المستعربة في السودان تجاه القبائل الأفريقية الأخرى . وهو اٍستعلاء مستبطن غير معترف به رسمياً يمارس ويظهر في أشكال سلوك جماعي متنوع بين آونة وأخرى وفقا لظروف اٍجتماعية وسياسية واٍقتصادية بعينها ويعبر عنه أحيانا في عنف بدني وأحيانا في عنف لفظي وخير مثال للعنف اللفظي هذه الشائعة، كما أن هنالك أمثلة كثيرة في تاريخ التطور السياسي السوداني في استخدام واستغلال ذلك التوجه القطيعي والعدائي من قبل النخبة الحاكمة للوقوف في وجه الآخرين مثالاً لذلك ( حركة محمد نور سعد عام 1976 ووصف المشاركين فيها بالمرتزقة ومعظمهم من أبناء الغرب- حوادث الأحد الدامي في الخرطوم عام 1965).
يضيف اٍن المناخ الذي انتشرت فيه شائعة ( قرقشة العروس ) تميز بنجاحات غير مسبوقة لأبناء الغرب على صعيد التجارة وثراء واضح مع توجه منهم للاٍستيطان في العاصمة القومية وبالضرورة اٍن ذلك التميز والصعود لم يكن يسمح به . اٍن ذلك التحليل كان عميقاً وشجاعاً وجديداً تماماً يختلف عما كانت تفتي به النخبة بين فترة وأخرى .
اٍن اٍشاعات اليوم المتداولة عن ظاهرة (المصافحة) ليست جديدة وقد سمعنا بها في ستينات القرن الماضي عندما كنا صغارا وكانت تلصق مباشرة بالقادمين من اٍقليم دارفور وارتبطت في ذلك الوقت بنزوح مجموعات من غرب السودان الى العاصمة وبعض الأقاليم الأخرى . ورغماً عن علم الجميع في ذلك الوقت اٍن هجرة أبناء الغرب للخرطوم كانت موسمية وترتبط بعمل موسمي يعود بعدها أبناء الغرب الى مناطقهم ورغماً عن أن لكل شخص الحق في الاٍستيطان في أي بقعة في السودان وفقاً لحقوق المواطنة اٍلا أن الشائعة كانت تقف بالمرصاد دليل على (الاٍحتياط)، الاٍنتباه وتعبيراً عن الإستعداد الدائم للوقوف ضد أي محاولة لتطاول القامات كأن يرادف تلك الشائعة دوماً تحريض واٍستنفار للشعور القومي بأن تلك المجموعات ليست سودانية وقادمة من دول أخرى مجاورة تماما كما يحدث الآن .
اٍذن ظاهرة المصافحة في جوهرها ومضمونها ليست جديدة بل هي قديمة ، متأصلة ، كامنة ومتجددة تظهر في أوقات بعينها . بعد هذا يأتي دور الأجابة على السؤال الأول وهو ماهي الأسباب التي ادت الى اٍعادة طرح الظاهرة واٍعادة اٍخراجها لتجد كل ذلك القبول والاٍنتشار في أجهزة الاٍعلام على المستوى الرسمي؟!
في تقديري اٍن اٍعادة اخراج الظاهرة مرتبط مباشرة بالحرب التي تدور في اٍقليم دارفور والقبول المتنامي الى عدالة القضايا التي يطرحها أهل ذلك الاٍقليم والاٍلتفات الدولي لذلك الجزء المهمل من السودان . اٍن الشائعة هي محاولة للوقوف أمام المطالب العادلة لذلك الاٍقليم من خلال اٍستنفار الاٍستعلاء العرقي واستقطاب السلطة تلك الجموع في حربها و هو اٍعادة لما قامت به سلطة مايو في مواجهتها حركة محمد نور سعد وتسميتهم بالمرتزقة . اٍن الشائعة تهدف الى تشويه صورة أولئك القادمين من الغرب في المخيلة الشعبية ودمغهم بالسلوك غير السوي والطعن حتى في انتمائهم للسودان . اٍن هذا السلوك لا ينفصل عن التوجه العرقي لممارسات حكومة الاٍنقاذ منذ استلامها السلطة ويبدو هذا التوجه متسقاً مع سياساتها .
اٍن البحث عن أسباب تلك الظاهرة يستدعي الغوص عميقاً في جذور المجتمع السوداني وهي في نهاية الأمر ليست ظاهرة شعوذة كما تدعي الأجهزة الرسمية للدولة بل هي استعلاء عرقي متجدد.
28 اكتوبر 2003