هل الشعب السوداني "ملول"؟!

عدنان زاهر

في لقاء مع البي. بي.سيى. أوردت جزء منه صحيفة الرأى العام الصادرة بتاريخ . 24 يناير 2007، قال فيه السيد المشير عمر البشير رئيس الجمهورية (أن الشعب السوداني ملول يحب التغيير، أن على المؤتمر الشعبي أن يستعد ليقدم مرشحا آخرا في الانتخابات القادمة، لكن اذا فرض عليِِِّّ المؤتمر أن أترشح مجددا سأفعل).

ما يهمني في هذا الحديث هو الجزء الأول، وهو ما سأتناوله بالنقاش لأني أعتقد ان الجزء الثاني و الخاص بالانتخابات هو تحصيل حاصل ومحاوله للظهور بمظهر من يحرص على  الديموقراطية.

مسألة أن الشعب السوداني ملولا ويحب التغيير مقوله ترددت كثيرا علي لسان أكثر من مسئول في حكومة الانقاذ ومؤتمرها الوطني فى الآونة الاخيرة . وعلى ما أذكر كان أحدهم د. نافع. وفي تقديري أن التكرار في ظروف مختلفة لا رابط بينها يعني القصد، كما أن تكرار العبارة بتلك الطريقة القصد منه أيضا أن ترسخ في أذهان سامعيها بذلك الشكل الهلامي المطلق مجهول  القسمات.

هذه المقولة ليست جديدة وتستخدم أحيانا في الحياة العامة  وعند بسطاء الناس، وهم يقولون ذلك عندما يعجزون عن تفسير بعض الظواهر أو عندما يتهيبون ذكر الأسباب الحقيقية لردود الافعال السياسية والاجتماعية للشعب السوداني. ولكي نكشف السبب الذي يجعلها المقولة المفضلة هذه الأيام لدى وجهاء السلطة، يجدر بنا أن نسأل سؤالا يبدو بسيطا وهو هل الشعب السوداني حقيقة ملول؟!..المنطق يقول أن ذلك السؤال يجب أن تتبعه اسئلة أخرى ترتبط به عضويا، مثل ملول من ماذا ؟ ومتى يحدث ذلك؟ وكيف؟ وما هي الأسباب التي تدفعه لذلك؟

اذا السؤال أكثر تعقيدا كما نرى  وليس كما يوحي ظاهره، لذلك يبقى من الظلم اطلاق تلك الصفه والصاقها به وبتلك البساطة الا لمن يبتغى غرضا.

الاجابه على ذالك السؤال يتطلب جهدا ومعرفة بالتاريخ السياسي والاجتماعي للسودان، وبتواضع وثقه يمكن للمرء ان يؤكد أن كل التاريخ القديم والحديث يشير الى أن الشعب السوداني شعبا صبورا يعطي فرصة لمن يحكمه المرة تلو الاخرى لكنه  من جانب آخر شعب جسور يعشق الديموقراطية، ويرفض الظلم والطغيان و"الحقارة" التي تمارسها الانظمة الشمولية.

الشعب السوداني انتابه الملل - الذي يقصده الرئيس ويخشاه – في حالتين ظل العالم يتحدث عنهما كثيرا وهما ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة مارس ابريل 1985. تلك الثورات وذلك الغضب لم يكن مللا او سأما أو لمجرد المزاج والتغيير، بل كان نتيجه لأسباب موضوعيه و نتاج ورفض لتلك الأنظمة لعجزها عن الحكم. بعض من تلك الاسباب هي:

1- التدهور الاقتصادي الذي ضرب كل مناحي الحياة وأدى الى جفافها وجدبها ماديا وثقافيا.

2- السعي بقصد وعنجهية الى اشعال الحرب المدمرة في الجنوب والعمل على اشعالها في كل أجزاء الوطن الاخرى.

3- العمل بوعي على تفكيك المجتمع السوداني بمشاريع وخطط فاشلة وممارسات سلوكية لا علاقة لها بالمجتمع السوداني.

في اعتقادي أن تكرار تلك المقوله وتدويرها بواسطة مسؤولي السلطة الحاكمة يفتقد الى البراءة السياسية وهو استخدام واعي يهدف الى ترسيخ تلك المقولة في الذاكرة لتصبح جزءا من التفكير الجمعي وتفسيرا مريحا، سهلا وخادعا يحجب الحقيقه. اضافة الى ذلك فهو يرمي اٍلى:

●  تأكيد أن الشعب السوداني لا يستخدم عقله في الحكم على الاشياء. ويقود خطواته المزاج ويسأم سريعا، مما يعني انتفاء الموضوعيه لديه.

●  الايماء والايحاء بخبث الى أن التغيير الشعبي للانظمة الشمولية في السودان قد تم نتيجه للملل والسأم مما يعني ان أعظم ثورتين قام بهما الشعب السوداني تفتقران اٍلى الاسباب.

أخيرا يريد أن يوحي أن الرفض الشامل والراسخ والمستمر لنظام الانقاذ، هو نتيجة لذلك الملل والسأم الذي يتصف به الشعب السوداني ولا علاقة له بفشل السلطة في اٍدارة الحكم.

أن الحديث عن ملل الشعب السوداني هو حديث عاري من الصحة ومحاوله من جانب السلطة لتغبيش الحقائق و  "خم" الآخرين، اٍضافة اٍلى أنها محاولة لتبرئة السلطة من فسادها وفشلها وتعاملها مع الآخرين كفئران للتجارب.

27 يناير 2007