الماس الدامى
عدنان زاهر
هذا الاٍسم عنوان لفيلم يعرض هذه الأيام في دور السينما في أنحاء متعددة من العالم ويتزامن ذلك مع أعياد الميلاد "الكريسماس" . الفيلم يصنفه النقاد في خانة الأفلام السياسية، وهو واحد من ضمن كثير من الأفلام في الآونة الأخيرة تتناول الأحداث السياسية في أفريقيا بحساسية وشفافية عالية. هذا النوع من الأفلام يسلط الضوء على الدور السلبي والمخرب الذي تلعبه بعض الحكومات ذات التأثير في السياسة العالمية، وشركاتها عابرة القارات في تشكيل وتوجيه الأحداث في القارة الأفريقية وفقا لمصالحها واهتماماتها. وقد شاهدنا في العام السابق نموذج لتلك الأفلام وهو بعنوان "البستاني" نالت بطلته الممثلة "ريتشل ويز" جائزة الأوسكار عن دورها فى ذلك الفيلم .
من اٍخراج المنتج والمخرج الأمريكي اٍدوارد زويك، Blood Diamond - الفيلم "الماس الدامي" وهو مخرج متمرس متعدد المواهب من مواليد العام 1952، تخرج من جامعة هارفارد ومن ثم معهد السينما. بدأ مسيرته كصحفي ومخرج وتلفزيوني ثم مخرجا سينمائيا ومنتجا. من أشهر أفلامه، المجد - أساطير السقوط - شجاعة في مواجهة النار – الحصار – والساموراي الأخير للممثل الأخير توم كروز. وقد نال فيلمه "شكسبير يحب" أحد الجوائز الأكاديمية.
● شارك في بطولة هذا الفيلم في دور مرتزقة أبيض، الممثل "ليوناردو دي كابريو" وهو الممثل الذي يعني ظهوره في فيلم تسجيل أعلى الأرباح، وبالطبع فهو بلا شك ممثل عالي القدرات وقد رشح للأوسكار من قبل لدوره في فيلم "الطيار"، ورشح أيضا للأوسكار عن دوره في هذا الفيلم. دي كابريو هجين من أم مهاجرة ألمانية اٍلى أمريكا وأب ممثل أمريكى كوميدي مغمور. ولد في هوليوود في العام 1974. من أشهر أفلامه، تيتانك – روميو وجوليت – الراحل – عصابات نيويورك – الرجل ذو القناع الحديدي.
جدير أن نذكر هنا أنه يتزامن مع عرض فيلم الماس الدامى فيلما آخر للممثل "دي كابريو" بعنوان الراحل "دي بارتد" يشاركه التمثيل فيه الممثل "جاك نيكلسون" والممثل "مات ديمون". ويرشح النقاد هذا الفيلم أيضا لنيله الأوسكار وهو وفق تقديرى فيلم جيد بكل المقايس .
● شارك أيضا في فيلم الماس الدامى و في دور صائد سمك بسيط وفقير الممثل أفريقي الأصل "ديجامون هانسو". وقد رشح في دوره في هذا الفيلم لأحسن ممثل مساعد. هانسو من مواليد بنين 1964. هاجر اٍلى فرنسا وهو صغير السن وقد اكتشفت مواهبه بالصدفة وأصبح عارضا للأزياء وراقص ومن ثم ممثل. تجنس أخيرا بالجنسية الأمريكية ورشح للأوسكار أيضا عن دوره في فيلمه "داخل أمريكا" عام 2004. من أشهر أفلامه فيلم الخيال العلمي بوابة النجم – المصارع مع الممثل روسل كرو – أمستاد للمخرج استيفين أسبيلبرغ.
● شاركت أيضا في الفيلم الممثلة الأمريكية ذات الوزن في السينما الأمريكية "جينفر كونلي"، وهي من مواليد نيويورك 1970 وأهم أفلامها الظاهرة – المتاهة – وداع حلم – وعقل متفتح مع الممثل روسل كرو والذي نالت عنه جائزة الأوسكار عن أحسن ممثلة مساعدة عام 2001.
● وقعت أحداث هذا الفيلم في العام 1999 وتدور وقائعه بشكل رئيسى في دولة سيراليون ، ومن ثم دولة غينيا، جنوب أفريقيا، أنتروب – بلجيكا، ولندن. نحاول باختصار التعرض للخطوط الرئيسية لقصة الفيلم واضعين في الاٍٍعتبار عدم افساد المتعة لشخص ينوي مشاهدة الفيلم مستقبلا. الفيلم يحكي عن مرتزق أبيض (ديكابريو) ينتمي لجيش من المرتزقة ويقوم هذا الجيش بمحاربة حركات التحرر المسلحة في بعض دول أفريقيا بدعوة محاربة الاٍرهاب. هذه المجموعة من المرتزقة تقوم بأدوار مزدوجة، فهي من جانب تقوم بدعم المتمردين بالسلاح من أجل الحصول على الماس وتهريبه اٍلى أوربا، من الجانب الآخر تتعاون مع حكومة سيراليون لقمع هذه التنظيمات المسلحة. يتم كل ذلك بدعم الشركات الضخمة وبعض الحكومات الأوربية التي تغض الطرف عما يدور هنالك، يلتقى المرتزق ديكابريو مع الصحفية الشابة الطموحة ذات المبادئ الممثلة (جينفر كونلي) التي تسعى لكشف دور الشركات الرأسمالية فى تأجيجها الحرب في سيراليون من أجل الحصول على الماس. كما يلتقي أيضا - المرتزق والصحفية - مع صائد السمك الفقير الذي يقوم بدوره الممثل "هانسو" الذي يخطف المتمردين اٍبنه وتتشرد أسرته في معسكرات اللاجئين.
● يعيب بعض النقاد العنف المنفلت والمكثف داخل الفيلم وأنا لا أتفق مع ذلك الرأي، لاننى اعتقد ان كشف ذلك العنف بصورته تلك هو الذي يعطي الصور الحقيقية للمشاهد لما يدور حقيقة في كثير من بلدان أفريقيا. الكاميرا تجوس الأمكنة بعين مدربة كاشفة عن خبايا جمال الطبيعة في أفريقيا ويتخلل ذلك تمثيل راقي الأداء. الفيلم ملئ بالحركة وبالرغم من طول الفيلم فالمشاهد لا ينتابه الملل أو السأم .
● الفيلم يكشف ويتعرض لبعض القضايا والتي في اعتقادي لا زالت تحتل الأجندة الأولى في ملف تداعيات الحروب في أفريقيا وهي:
1- دور الجنود المرتزقة في الحروب الأفريقية. 2- تجنيد الأطفال في الحركات المسلحة. 3- تحول الحركات المسلحة لعصابات للسلب والنهب تحت شعارات وطنية. 4- دور بعض البلدان الكبيرة والمؤثرة في السياسة الدولية وموقفها من تلك الحروب المبني على مصالحها وتصديرها المستمر لأسلحة الموت لتلك المناطق. 5- النهب المنظم الذي تنتهجه بعض الحكومات في أفريقيا لنهب موارد بلدانها واستيرادها لأسلحة الدمار لقمع شعوبها.
6- معسكرات اللاجئين الخيار الوحيد والعذاب المستمر.
● يجسد دور الجنود المرتزقة في الحروب الدائرة في أفريقيا في القرن الماضي والقرن الحالي. وهم يقومون بذلك الدور بمواقفة بعض الدول الأوربية وبعض الحكومات الأفريقية تحت دعوى محاربة الاٍرهاب. و تحت غطاء ذلك الشعار الهلامي والمخادع يتم الاستيلاء على ثروات تلك البلدان.
● يعكس بشكل مؤثر وصادم للنفس عملية تجنيد الأطفال في الجيوش وتحويلهم اٍلى وحوش وقتلة تحت شعارات براقة. المعلومة المدهشة أن هنالك أكثر من 200 ألف طفل في أفريقيا يحملون السلاح تتراوح أعمارهم من السابعة وحتى السابعة عشر. تعرض الفيلم بشكل مفصل لعملية تحويل الطفل الى قاتل صغير وهي تتم عبر مراحل مدروسة ويقوم بها مدربين اكتسبوا خبرة في ذلك المجال. البرنامج المعنوي والجسدي والعذاب الذي يتعرض له الطفل تجعل الجسد يقشعر وتجعل المشاهد يندهش للااٍنسانية التي يمكن أن يصل اٍليها الاٍنسان.
مشكلة الجنود الأطفال الذين يخطفون بواسطة الحركات المسلحة، أو بفقدانهم لأسرهم في الحروب عان منها السودان في جنوبه ولا زال يعاني منها في أجزاء أخري. مما يثير القلق أن اٍعادة أولئك الأطفال الى حياتهم الطبيعية، يحتاج الى كثير من الجهد والبرامج عالية التأهيل وتلك مشكلة انسانية حقيقية.
● يتعرض لظاهرة الحركات المسلحة اّذا كانت حركة عسكرية متمردة ومنشقة من الجيش، أو ثوار يحملون السلاح ضد حكوماتهم الفاسدة سياسيا، اقتصاديا، واجتماعيا ، وتحول تلك الحركات اٍلى عصابات للنهب والسلب وتجنيد الأطفال . تلك ظاهرة تستحق الوقوف عندها وبحث جذور أسبابها، وهي موجودة الآن في أجزاء متفرقة في أفريقيا على سبيل المثال وليس الحصر الصومال أو يوغندا (جيش الرب). تلك الحركات مع طول الوقت تنقسم كالخلايا السرطانية وتعمل – دون قصد او عن قصد – على تفكيك المجتمعات وتفتيت أوطانها.
● يبرز دور الشركات الضخمة وبعض الدول التى تلعب دورا كبيرا في تأجيج الصراع في البؤر الملتهبة وفقا لمصالحها. أفلح الفيلم في كشف تلك الشركات التي كانت تؤجج الحرب في سيراليون لنهب الماس، ومن تلك الدماء المنداحة والمسكوبة و الممتزجة مع الماس المغتصب أستمد الفيلم اسمه . جديرا أن نذكر هنا أن هنالك محلات تتاجر فى الماس في أمريكا الشمالية، تكتب فى اعلانتها الدعائية " انه ماس غير ملوث بالدماء" اٍشارة الى أن ذلك الماس لم يأتى بطريق غير شرعي. المهم أن نذكر هنا أن الماس هو النموذج المعادل للثروات التي تنهب من افريقيا كالبترول، الذهب واليورانيوم...الخ.
● الفيلم يشير بشكل غير مباشر الى الحكومات الأفريقية التي تستغل مواردها لدعم أنظمتها الدموية، وذلك من خلال التصرف في موارد بلدانها بفساد وبشكل مخالف لكل القواعد لجلب الأسلحة لتثبيت نظمها السياسية الديكتاتورية.
● يعكس فى في لقطات معبرة عما يجري في معسكرات اللاجئين وهو يشير الى أن تلك المعسكرات ليس مكانا للرفاهية بل هي خيار من لا خيار له ، والمكوث وقتا طويلا بها يدفع الى الترهل الأخلاقي والأمراض النفسية. في تلك المعسكرات - رغم محاولات ضبطها- تمارس بها كل أشكال الجرائم القتل، الاغتصاب، السرقة، فقدان الكرامة. العائدون من تلك المعسكرات يحتاجون للعلاج لفترات طويلة والدول هنا تفقد مواردها وانسانها.
● وأخيرا الفيلم ينبه بحدة ومهنية عالية الى قضايا يتم الاطلاع عليها يوميا من الصحف ، وتسقط من الذاكرة مع انتهاء قهوة الصباح. يطرح اسئلة مشروعة فى ذهن المشاهدين، تنهمر بلا توقف فى الذهن.....لم يتم سفك كل تلك الدماء؟ من المسئول عن ذلك؟ ما هو دورنا فى العمل على ايقاف ذلك النزيف؟ ....الخ.
27 ديسمبر 2006