خبر (يفقع المرارة)!!

عدنان زاهر

جاء بصحيفة الرأي العام السودانية بتاريخ 23/8/2005 خبرا مفاده أن سلطات الجمارك بمدينة بورتسودان قد قامت بحجز شحنات تفاح أمريكي مستورد للسودان، وأن ذلك الاٍجراء تم كرد على المقاطعة الأمريكية. وقد أضاف اللواء صلاح مدير شرطة بورتسودان أن تنفيذ ذلك القرار قد تم بناء على أوامر من جهات عليا لم يسمها، وقد نفت وزارة الخارجية السودانية اتخاذها القرار أو علمها به. كما أوضح التجار المستوردون بأن قرار الحجز قد سبب لهم خسارة تقارب الثلاثمائة مليون جنيه سوداني!!!

انتهى الخبر المدهش والطريف والمفجع المستفز في آن واحد. مدهش لأن معظم أفراد الشعب السوداني سوف يصابون بالدوار والغثيان عندما يعلمون بأن السودان يستورد تفاح بمبلغ 300 مليون جنيه عن شحنة واحدة فقط ناهيك عن بقية أنواع الفاكهة الأخرى متعددة الأشكال والألوان، في بلد يقتات بعض من أبناءه من (الكوش) ويكتفي أغلبه بوجبة واحدة في اليوم ويحلي اٍذا استطاع اٍلى ذلك سبيلا بالنبك واللالوب و هما أيضا قد دخلا سوق الاٍعزاز.

 بلد يعيش الآلاف من أبناءه في دارفور في معسكرات تفتقر لأبسط مقومات الحياة ويموت المئات منهم بالجوع وأمراض سوء التغذية. بلد بلغ به عدد منظمات الاٍغاثة وتخصصاتها المختلفة عددا وأسماءا جعلت حتى المتخصصين يعجزون عن معرفتها.

وطريف للمفارقة التي يحملها في وطن بلغ حد الفقر بين مواطنيه ما يتجاوز 95%.

ومفجع مستفز كونه يعكس لا مبالاة الدولة واستهتارها تجاه تدهور الأحوال المعيشية والصحية والتعليمية وهي مع ذلك تسمح لتجارها المتخمين باستيراد تفاح بالعملة الصعبة لرفاهية فئة بسيطة ومحدودة من المحسوبين عليها. وتغفل في استيراد الأدوية الماسة بالحياة وتطوير مستشفياتها العامة ومؤسسات تعليمها.....الخ التي يلجأ اليها أغلب الناس.

الخبر أيضا يلقي الضوء على مسألتين هامتين الأولى هي كيفية اتخاذ القرارات الكبيرة والمؤثرة تحت سلطة الاٍنقاذ والثانية شكل المقاطعة الذي اتخذه السودان تجاه أمريكا. ولنناقش كل من المسألتين على حدة، حسب الخبر فأن هذا القرار الهام والذي يتعلق بالسياسة الخارجية السودانية في أهم مفاصلها قد تم تبليغه لمدير شرطة بورتسودان شفاهة وهو قد قام بتنفيذه دون أن يسمي الجهة التي أصدرت القرارمع ضرورة علمه بأهميته الدبلوماسية. ويفرض سؤال هنا نفسه حول مدى مشروعية القرار ومطابقته للقانون؟! أم الجهة المناط بها اٍصدار القرارأو على الأقل العلم به وهي وزارة الخارجية فقد نفت علمها بكل ذلك الأمر. والمحير هنا من هي الجهة التي سوف تقوم باٍبلاغ الاٍدارة الأمريكية بالقرار؟! ولا يستبعد مع كل تلك المفارقات أن يكون مدير الميناء!

ذلك التضارب أيضا يعكس لا مؤسسية اٍتخاذ القرارات في زمن الاٍنقاذ وتداخل الاٍختصاصات بين أجهزتها كما يظهر وجود قبضايات ومراكز قوى داخل السلطة. ويبدو كل ذلك منسجماً مع طبيعتها الديكتاتورية.

 الشق الثاني المتعلق بشكل المقاطعة فهو أيضا مثير للسخرية - ورغم أن العلاقة بين أمريكا والسودان في زمن الاٍنقاذ تخصهما وحدهما ولا تخص الشعب السوداني الذي لا يستشار فيما يدور بينهما، كما تربطهما مصالح مشتركة ومتداخلة لا يفصح عنها الجانبين في أغلب الأوقات اٍلاعند الاٍختلاف – لكن هشاشة وليونة القرار تعكس العلاقة غير المتكافئة بين الدولتين. ذلك أن اٍيقاف شحنة من التفاح الأمريكي لن تلفت نظر دولة مثل أمريكا لأن لها منافس لفاكهتها في كل أسواق العالم، ولن يضيرها في ذلك شيئا. كما نحن نعلم تمام العلم أن التجار السودانيون هم الذين سعوا لاٍستيراد ذلك التفاح الأمريكي وأن ذلك لم يكن ضمن برنامج تبادل تجاري بين الدولتين.

أخيرا يبدو أن الشئ المهم في ذلك الخبر هو كشفه لما يتم تدبيره في الخفاء من قبل (ناس) الاٍنقاذ وتعريضه اٍلى دائرة الضوء. ومع اٍرهاصات ما يدور حاليا من غرائب يبدو متسقا مع المنطق بأن نسمع بمقاطعة الكرز، الخوخ، المشمش، الكيوي، أو الباربان وهي أسماء لفواكه لم يسمع بأسمائها معظم أفراد الوطن ولم يتشرفوا بمعرفتها ويحلمون فقط بتذوقها في الجنة.

خبر يفجر كل مكامن الغضب المكتوم أو كما يقول أهلنا في السودان بتعبيرهم العفوي البسيط (خبر يفقع المرارة).

25 أغسطس 2005