الشاعر (الحطيئة) والقوانين المقيدة للحريات 

عدنان زاهر

  الحطيئة شاعر هجاء ووقح ، لكنه مبدع وعظيم . اتفق مؤرخي الحقب السابقة ، النقاد والقارئون الجدد لشعره على أنه أحد أشعر العرب وأصدقهم  اٍحساساً وتعبيراً . عاش في حقبتين تميز التاريخ العربي بأحداثها العظام – الجاهلية والاٍسلام . أسلم وارتد ثم أسلم مرة أخرى وعاش متنقلاً على تخوم عالمين . ذلك التمازج القلق أكسبه تجربة قلما تتوفر في شاعر آخر وجعل تداخل وتشابك تفاصيل حياته مشروع لأفضل الدراسات السسيولوجية لعصره.

ولد لاٍمرأة لا زوج لها فنشأ مجهول النسب والهوية ، لا أصل له ولا جذور في زمن كان عراقة المنبت والأصل هي المعيار بين القبائل . عندما أنكره الجميع واحتقروه لم يجد طريقاً أمامه غير مبادلتهم الكراهية والرفض ، فنشأ حاقداً ورافضاً وممتلئاً قلبه بالمرارات . عقله الحاد كمدية جزار ، رقة عواطفه وهشاشة وضعه الاٍجتماعي جعله يكتشف سريعاً زيف تلك المجتمعات التي نشأ فيها وبما أنه في ذلك الزمن البعيد لم يكن يملك منهجاً للتغيير ابتدع منهجه الخاص أو طريقته لمحاربة ذلك المجتمع – وكان الشعر – وبرع في ذلك .

امتلك – كما يقولون – نواصي الكلمات فدانت له وأصبح أعظم شاعر للتشكيل في ذلك العصر ، وبفرشاة الكلمات قاد أكبر حملة للهجاء ضد مجتمعه وقيمه الاٍنتقائية ، تلك الحملة لم تستثني شيئاً أو أحداً حتى شخصه وبات الجميع يخاف لسانه الهجاء .

المدهش في الأمر أنه رغم بذاءاته حفظ له معاصروه والتاريخ مكانته وعبقريته الفذة في مجال الشعر وتم تضمين اٍٍٍسمه في (جنتس) العرب للشعراء الموهوبين لتلك الحقبة .

تقول كتب الأثر التاريخي للثقافة العربية أن (الزبرقان بن بدر) أحد ولاة الخليفة عمر بن الخطاب أتى اٍليه شاكياً الحطيئة مفسراً للهجاء المر الذي هجاه به ذلك الشاعر منفلت اللسان . كان ذلك بالضبط ما يريده الخليفة عمر وما ظل ينتظره مترقباً . كان قد نما الى علمه ما ظل يمارسه الحطيئة من انفلاتات وسط ذلك المجتمع كما اشتكى اِليه كثير من أشراف القبائل وأفاضل الناس متظلمين ومستائين من ذلك اللسان (السالخ) والكاشف لعورات الجميع .

عند انتهاء (الزبرقان) من شكواه كان الخليفة عمر قد توصل لقراره فبصفته خليفة للمسلمين لم يكن يقبل أن يعيش أحد الأشخاص مرهوباً وخائفاً ومبتزاً في ولايته ، كان قد عقد العزم على تأديب ذلك الشاعر الذي لم يكن يخشى شيئاً أو أحداً . كانت شكوى الزبرقان هي القشة التي قسمت ظهر البعير .

صدر الأمر من الخليفة بالقبض على الشاعر والاٍتيان به ذليلاً ، وسجن وحيداً في بئر عميق لا ضوء فيه .

بعض مضي بعض الوقت أحضر الشاعر الهجاء أمام الخليفة منهكاً ومنكسراً ، أمر فضغط على فكي الشاعر حتى تدلى لسانه ككلب مسعور . أمسك الخليفة عمر بموسى يريد اجتزاز ذلك اللسان الذي أقلق مضجع المجتمعات العربية المرفهة ، المدن الهادئة وأشراف القبائل بهجائه الذي لا حدود لخصومته .

في تلك اللحظة تدخل الصحابي الجليل عبدالرحمن بن عوف طالبا من الخليفة ألا يفعل ذلك حتى لا تكون سنة بين المسلمين . وسرح الخليفة بعيداً متفكراً ومستوعباً ما قاله الصحابي الجليل فكف عن قطع لسان الشاعر وأمر برميه في الصحراء .

أتفكر ماذا لو قطع الخليفة عمر لسان الشاعر الحطيئة في ذلك الوقت ولم يستمع لتلك النصيحة الغالية والحكيمة ؟!!!

قبل الاٍجابة على هذا السؤال جديرا بالقول أن كثيرا من الانظمة العربية الحاكمة ، وبعض المطالبين بأسلمة الحضارة والتأصيل في عصرنا الحالي خاصة (أهل الاٍنقاذ) . لا بد أنهم يأسفون كثيرا لعدم (جز) لسان ذلك الشاعر أو حتى قطع رأسه بواسطة الخليفة الثاني عمر ومن ثم ضياع فرصة تاريخية لن يجود بها الزمان مرة أخرى . ولا بد أنهم يعضون (بنانهم) حسرة لفقدانهم سابقة فقهية (قوية) ومحترمة يمكن الاٍستناد عليها عند ممارسة طغيانهم وعنجهيتهم .

لو تم استئصال لسان ذلك الشاعر لكان زماننا عجيباً الآن ! لم يكن في استطاعتنا معرفة مفردات لمخترعات تساهم في نشر الوعي العام ، العلم وتعميق الصلة والمعرفة بين الشعوب . لم يكن في استطاعتنا معرفة مفردات مثل الراديو ، التلفزيون ، الدش وأخيرا الاٍنترنت . اٍضافة الى جهلنا الذي سوف يصبح موضوعاً للتندر بين الأمم الأخرى ، ستكون ألسن كثيرة قد قطعت وطارت في الفضاء . وسوف تتنوع تلك الألسن وتشمل كافة الطبقات والفئات . ومن أوائل الألسن التي سوف يشملها القطع ، ألسن الصحفيين ، الشعراء ، الفنانين المبدعين ، الساسة المشاغبين والمحامين الذين يتحدثون كثيراً عن حقوق الاٍنسان والعدالة الاٍجتماعية . واتكاءا على مبدأ الناس سواسية أمام القانون سيقومون بقطع ألسن أولئك الزاعقين الذين يطردون النعاس من أعين آلاف المنهكين الذين يمتطون المواصلات من الخرطوم نحو أطراف المدن في طريقهم الى منازلهم وهم يفكرون في كيفية توفير لقمة العيش لليوم التالي .

وكما هو واضح من خلال مسيرة الاٍنقاذ (السلطوية) فهي لم تستسلم لمعطيات ذلك الحدث (عدم جز لسان الحطيئة) فقد وجدوا طرقاً للاٍلتفاف حوله ومن ثم اكتشفوا طرقاً عدة لاٍسكات الشعب السوداني و(جز) ألسنته . وابتدعوا أساليب أكثر حداثة ألا وهي القوانين المقيدة للحريات ، الاٍرهاب العام ، قوانين الطوارئ ولم ينسوا أن يضيفوا لاحقاً فتاوى تكفير الآخرين ومحاولة تصفيتهم .

25 أغسطس 2003