الامنيات الخائبة
عدنان زاهر
انقصف من العمر اكثره ، و هى واحدة من تلك الليالى التى تعلم انك عندما تحتفى بها لن تعود مرة أخرى. ليلة تتم بلا سابق تدبير و بلا حدود للفرح. المائدة حميمة بالذكريات المبعثرة الجمل معتقة الحروف. ذو النون المحاضر بجامعة لندن كان أكثرنا جموحا وجنونا، كعادته أطلق ضحكته المجلجلة، وقال بصوت حاول جاهدا أن يكون جادا، (تنتابني بشكل دائم أحلام يقظة بأني لاعب كرة عظيم ومشهور، أتهادى و "أقدل" في شوارع أمدرمان يتبعني الصبية ويشير اٍلىَ الكبار وهم يتهامسون!)
رغم سخريته التي يتمنطقها كثيرا فقد جاءت نبرات صوته صادقة. لم نعلق على ما قال، ظللنا فقط نفكر في حديثه. ذوالنون الذي نعرفه، يلقى الحديث ليعري سامعيه، يقذف بشقاوة طفل حجرا في البحيرة الساكنة في الأعماق، فتنداح دوائر تكبر وتتسع دون حواجز. تشاغل تازي باٍصلاح المسجل، وظللت أنا أتابع بتلصص ذوالنون المحدق بعيدا. في كثير من الأحيان أعتقد – ولا أدري لماذا – بأن قوانين الزمن والكيمياء لا تنطبقان عليه.
باٍرادة ارتخت قبضة كابحها، وملتهما للطعم الذي قذف به ذوالنون قلت مبادرا (رغم امتطائي كل أنواع الرواحل، وتنقلي الدائم في أصقاع العالم، اٍلا أن هنالك أمنية أردت تحقيقها.)
جلس تازي وأنتبه لما أقول. اٍلتفت ذوالنون ناظرا في وجهي مطالبا بعينيه اللحوحتين الاٍستمرار في الحديث.
(أتمنى أن أعمل مساعدا في لوري ماركة "أوستن". ذلك اللوري يقطع الفيافي زمن الخريف غربي البلاد، مطلقا صوتا حنينا يشكله غطاء العادم الذي ركب بمهارة فنان يتقن الغناء. ذلك الصوت السحري، يجذب أهالي القرى النائية فيصطفون مهللين بقدومنا. أحيانا حينما يصيبنا الاٍعياء والتعب من السفر، نتوسد الفضاء الممتد، نوقد نارا لنطهي طعاما نأكله ونحن نستمع من مسجل العربة لاٍحدي أغاني البنات وهي تناجي حبيبها الغائب والبعيد.)
قال ذوالنون معلقا بطريقته الساخرة والجادة في آن واحد (ولما لا تكون أنت مالكا وسائقا لذلك اللوري "الأوستن" بدلا من مساعدا تعمل به؟!)
رددت عليه محتدا بلا مبرر، وكأنني أدخر الاٍجابة منذ زمن بعيد (ولماذا لاتكون أنت لاعب كرة عالمي "يقدل" في شوارع "مدريد" بدلا عن أزقة أم درمان المتربة؟! على العموم لم أفكر في ذلك من قبل. وبما أنه حلم وأمنية منذ الطفولة فهنالك اٍستحالة في تعديلها الآن أو تركيبها من جديد!!)
صوت مطر شارد يغازل بلطف زجاج النافذة، مشكلا مع نغمات المسجل خافت الصوت ثنائي مبهر. اٍتجهنا نحو تازي في تآمر صامت. أحس وهو الشخص المهذب والخجول بأنه محاصرا ومطالبا بأن يقول شيئا. نظر في صفحة كفيه وهي عادة يفعلها دون وعي منه حينما يكون حائرا، (أحلم كثيرا بأنني أمتلك مركبا صغيرا للصيد في نهر النيل. عندما أقوم باٍخراج شبكتي في الصباح الباكر، تكون مترعة بلألئ البياض والبلطي والدبس. هنالك عشة تنتظرني على شاطئ النيل كبقية الصيادين، ألتمس فيه النجاة في نهارات الصيف الخانقة.)
قاطعه ذوالنون مسنكرا (تلك أمنية غير منطقية، أولا، لأنك لا تجيد السباحة. وثانيا لأن بأموال "قارون" التي تمتلكها تستطيع اٍغتناء أسطولا من السفن وليس مركبا للصيد من شواطئ الموردة أو أبوروف. ثالثا....) نظرنا اٍليه شذرا، فسكت مرغما.
وددنا في تلك اللحظة الاٍنقضاض على حلقه و خنقه. تمالكنا لأنفسنا بجهد يفوق التصور. أحس ذوالنون بثقل حديثه فطفق ينظر لا مباليا نحو النافذة مستمعا للمطر الهاطل بعناد. فجأة انكسر الصمت الرمادي الذي حط على المكان، بضوء خافت انبثق من خلال الستائر المسدلة. تلك شارة بأن الصباح قد أزف. كان أمام تازي و ذوالنون سفرا طويلا. توادعنا ونحن نبتسم.
25 يوليو 2006