اٍنتقائية حرية النشر والتعبير!!
عدنان زاهر
تعود قضية حرية النشر والتعبير اٍلى الواجهة الاٍعلامية العالمية هذه الأيام بشكل أكثر حدة والحاحا، وبالتحديد ذلك السؤال المشاغب الذي يطرح نفسه بضجة وفرقعة عالية وهو المتعلق بماهية المعايير التي تحكم حرية النشر والتعبير. ومن ثم السؤال المرادف له هل يمكن أن تكون تلك الحرية مطلقة؟
أود التعرض لمبدأ حرية النشر والتعبير في المجتمع الرأسمالي " المعولم" من خلال التعرض لقضيتين. القضية الأولى هي قضية نشر الصور الكرتونية غير الكريمة والمسيئة للرسول والديانة الاٍسلامية التي قامت بنشرها أحد الصحف الدينماركية وأعيد نشرها مرة أخرى في أكثرمن موقع الكتروني وصحيفة في دول العالم المختلفة، والتي أثارت الغضب والاٍستنكار لدي كل الشعوب المسلمة ولا زالت تداعياتها مستمرة.
القضية الثانية هي قضية صمت عنها الأعلام الغربي وتجاهلها بشكل غير برئ وهي قضية المؤرخ البريطاني ديفيد اٍرفنج الذي حكمت عليه محكمة نمساوية في 20/فبراير/ 2006، بالسجن ثلاث سنوات بتهمة انكاره لواقعة الهلوكوست اٍبان الحرب العالمية الثانية. وفي تقديري أن القضيتين تلقيان الضوء وتبرزان بوضوح كيفية تعامل الدول الغربية مع ذلك المبدأ. وبما أن قضية الصور الكرتونية قد تناولها الاٍعلام بشكل مكثف ولا زال، سأقوم بالتعرض للقضية الثانية التي سكت عنها الاٍعلام ومن ثم مناقشتها وفقا لنفس المبدأ.
من هو ديفيد أرفنج وما هي قضيته؟
باختصار غير مخل الغرض منه المساعدة في توضيح المقال، ديفيد ارفنج هو مؤرخ بريطاني في ال 67 من العمر، ولد لأب كان قائد في البحرية الملكية. بعد تخرجه من جامعة لندن قضى فترة عام في ألمانيا لاٍجادة اللغة الألمانية. في بداية عقد الستينات بدأ حياته كمؤلف وقد قام بتأليف أكثر من ثلاثين كتابا. يعتبر نفسه كما يعتبره البعض متخصصا في تاريخ الحرب العالمية الثانية وبالتحديد تاريخ الرايخ الثالث. من أشهر كتبه، تدمير درذدن، حرب هتلر، روميل ، جوبلز و ونستون تشرشل.
أحد أهم الأشياء التي يمكن أن توصف بها كتابات أرفنج هو انكاره لواقعة الهلوكوست كما يعتقد أيضا أن غرف الموت بالغاز في معسكرات الاٍعتقال النازية والتي يتحدث عنها اليهود كثيرا ما هي اٍلا أسطورة تستخدم لاكتساب العطف والابتزاز السياسي والمادي من الآخرين. شن اليهود عليه وفي مختلف أرجاء الكرة الأرضية هجوما عنيفا ولآراءه هذه منع من دخول أراضي خمس دول هي ألمانيا، النمسا، كندا، اٍيطاليا، وأستراليا. توج ذلك الهجوم الشرس والكاسح بكتاب قامت بتأليفه البرفسورة الأمريكية ديبورا لبستادت بعنوان "اٍنكار الهلوكوست- هجوم على الذاكرة والحقيقة". اتهمت فيه ارفنج بمعاداته للسامية ومعاداة اليهود كما اتهمته بتشويه المعلومات والأدلة التاريخية واستخدامها بشكل مغرض لخدمة آراءه وأكدت على تعاطفه مع النازية. قام أرفنج برفع دعوى أمام المحاكم البريطانية ضد البرفسورة ديبورا متهما اٍياها بالقدف وتشويه سمعته ولكن دعواه شطبت في العام 2000.
في نوفمبر 2005 وفي زيارة للنمسا غير معلن عنها لاٍلقاء محاضرات تم القبض عليه في العاصمة فيينا بتهمة اٍلقاءه لمحاضرات عام 1989 (قبل 15 عاما) عبر فيها عن انكاره للهلوكوست. بعض الآراء تعتقد أنه أستدرج الى هنالك لأن النمسا هي الدولة الأوربية الوحيدة التي يوجد بها تشريع لمحاسبة الأشخاص الذين ينكرون الهلوكوست. ويعزون ذلك التشريع لاٍحساس النمسا بالذنب الذي يثقل ضميرها باعتبار أن معظم قادة الرايخ الثالث من تلك الأرض بما فيهم أدولف هتلر. لم يشفع لأرفنج دفاعه بأنه قد غير قناعاته تجاه مسألة الهلوكوست او أنه كان ينطلق من كتاباته من مبدأ حرية النشر والتعبير و حكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة ثلاث أعوام (عقوبة تهمة انكار الهلوكوست تصل لعشرة سنوات في النمسا.)
بالطبع نحن لا نتفق وما يطرح أرفنج من أفكار، كما أن واقعة الهلوكوست حقيقة وفقا للدلائل والمعطيات التاريخية ولكن ما يهمني هنا من اٍيراد قضيته هو دفاعه المستند على مبدأ حرية النشر ومقارنته بالدفاع الذي أوردته الصحيفة الدينماركية بنشرها صورة مسيئة للاٍسلام استنادا أيضا على حرية النشر ومن ثم موقف الحكومات الغربية والاٍعلام تجاه القضيتين.
أرفنج ذو التنشئة والثقافة الأوربية يطرح في دفاعه عن آرائه وكتاباته عن الهلوكوست أنه يستند في ذلك على مبدأ حرية النشر والتعبير ولكن ذلك الدفاع لا يعبأ به ويسجن وتعتم سيرته من وسائل الاٍعلام الغربية!!
صحيفة دينماركية تسئ بشكل متعمد ومقصود الى الديانة الاٍسلامية وتحض على الكراهية بين الأديان، وعندما يحتج على ذلك في معظم الدول المسلمة تقول الصحيفة أنها تستند على مبدأ حرية النشر، وتنبري وسائل الاٍعلام في أوربا وبعض رجالات الحكم يتحدثون عن مبدأ حرية النشر والتعبير، صدام الحضارات، محاولة تكميم الأفواه و وأد المكتسبات التي جاءت عن طريق تضحيات ودماء كثيرة أريقت لتحقيقها.
وانسياقا مع المنطق يحق لنا أن نتساءل:
1) هل اٍبداء الرأي في الهلوكوست يتعارض مع حرية النشر والتعبير؟
2) هل الاٍساءة الى ديانة سماوية هو شئ مقبول ولا يتعارض مع حرية النشر والتعبير؟!
3) أم أن كل المسألة في نهاية الأمر انتقائية وتخضع للمعايير السياسية عند اٍعمال المبدأ؟
لنرى ماذا يقول القانون الدولي في مسألة حرية التعبير والنشر، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، المادة 19-20 تنصان على الآتي:
المادة19
1) لكل انسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة
2) لكل انسان حق في حرية التعبير ويشمل هذا الحق حرية في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها الى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو قالب أو بأية وسيلة أخرى تختارها.
3) تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة "2" من المادة واجبات ومسئوليات خاصة وعلى ذلك يجوز اخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
أ- لاحترام حرية الآخرين أو سمعتهم.
ب- لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
المادة 20
1- تحظر بالقانون أي دعاية للحرب
2- تحظر بالقانون أي دعوة الى الكراهية أو العنصرية أو الدينية – تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.
اٍن حرية التعبير والنشر ليست مطلقة كما جاء في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للعام 1966، لذا ليس صدفة أن تجد في معظم تشريعات الدول الجنائية أو المدنية تحتوي على نصوص تجرم قذف الغير، أو اٍشانة سمعته كما نجد أيضا نصوص تجرم الاٍساءة أو الهزء بالأديان السماوية أو كريم المعتقدات.
اٍن النموذجين يبرزان اٍن مبدأ حرية النشر والتعبير يخضع في أحيان كثيرة للتأثيرات السياسية، الأجندة غير المرئية وازدواجية المعايير عند الممارسة والتناول.
لذلك نقول أن التطبيق الشفيف لنصوص القانون الدولي والاٍلتزام باحترام حقوق الاٍنسان -ذلك الحد الأدنى الذي اتفقت عليه البشرية- دون تمييز ودون الانحياز لأحد أو جهة ما ، هو الشرط الكفيل لخدمة قضايا الاٍنسانية ، تحقيق التسامح الديني والسلام بين الشعوب.
25 فبراير 2006