"أم جركم" تتطلع لخريف آخر

 عدنان زاهر

لا أخطط للكتابة اٍليك. بل أحياناً أشتط في ذلك وأكبت تلك الرغبة، رغبة التواصل والكتابة. ذلك السلوك (غير السوي) والملتوي أفسره بأنه حماية للذات ولك. حماية لنفسي كي لا أنزف ولك حتى لا أسكنك ذلك القلق والنزيف المتواصل. اليوم طغت عليّ تلك الرغبة اللحوحة. حاولت مناورتها والاٍحتيال عليها بكل الطرق لكني فشلت. يبدو أن الذات متواطئة - مرة أخرى- مع الرغبة. سلوك غريزي ولا اٍرادي لا يمكن منعه كالقلب البكر لا يمكن اٍيقاف انفتاحه للحب.

الربيع ببهائه غير المحدود حط على هذه (البقعة) فتوشح كل الساكنين في هذه المدينة الودودة بثوب العواطف الملونة والمتداخلة. قلت ل(دامبا) ذلك الصديق الرافض لكل شئ، قليل الكلام كثير المعرفة ، هل تتذكرينه؟ كان يسكن بقرب مسكننا الأول.

( يذكرني هذا الربيع الجميل بالفتيحاب وقت الخريف) نظر اٍلي مستنكراً وقائلا(ياخي انطم) فانكتمت متوارياً داخلاً عالمي الخاص. اندهائه واستنكاره يبدو من بعض النواحي منطقياً ومبرراً!، تخيلته وهو يشملني بنظرته الكاشفة تلك يردد مع نفسه كلمات تلك الأغنية الشعبية المتهافتة (شن لمّه القمري مع السمبر). عفواً صديقي دامبا لا القمري هو هذا المكان ولا السمبر هي (أبوسعد). لكن تلك المدينة المتواضعة الخجولة جنوب أمدرمان قضينا فيها أجمل فترات الحياة.

الحياة لا زالت متنمرة تكشر أنيابها. قانون الجدل لا يقبل الثبات وتلك حقيقة. قالت مدرسة اللغة الاٍنجليزية معضدة ذلك القول ( الحياة لا يمكن أن تستمر بتلك الوتيرة واٍلا فقدت بريقها، سوف تتغيرالأحوال نحو الأحسن). وافقتهما نظرياً. هي وقانون الجدل. ولكن في سريرتي كنت أعلم أن ذلك التنظير المتفائل لا يتفق مع الواقع.

حاولت العمل لزيادة الدخل ولتحسين الظروف. كان العمل من ذلك النوع الذي تبذل فيه جهداً بدنياً متواصلاً وأنت تقف على قدميك طول الوقت، ذلك البدء (الهرقلي) جعل قدمي تنتفخان كبالون كثر استعماله. تخيلت أن ذلك يعود لحداثتي مع ذلك العمل وأنا الذي تعودت أن يكسب قوته بقلمه ولسانه. الطبيب أمرني بالتوقف فوراً واٍجراء بعض التحاليل، لاعتقاده أن هنالك خللاً بسيطاً في وظائف الكلى أو الكبد يمكن علاجه بسرعة. بعد أسبوع تخيلي ماذا كانت النتيجة؟!

الكبد والكلى يعملان بكفاءة عالية ولكن ظهر سكر في الدم. ظننت الطبيب مخبولاً فمن أين يأتينا (السكر) ونحن بالكاد (نحلي) في السودان بكوب شاي في الاٍمسيات! الطبيب المجتهد حاول أن يطيب خاطري بكلمات رصينة يحفظها عن ظهر قلب. رددت عليه باستهتار (محل رهيفة تنقد) ثم أضفت مازحاً (نحن في الأساس أسرة سكرية).

قبل عدة أيام ذهبت لممارسة هوايتي (المفضلة)، طبعا لا يمكنك نسيانها فهي تعني لك المتعة والكدر. كنا نستمتع عندما نذهب للصيد برفقة (العيال) وكنت تتكدرين لتفضيلي الصيد الجماعي مع الأصدقاء وتأخري في العودة للمنزل حتى (أنصاص الليالي). هل كنت تظنين أنني والرفاق نصطاد شيئا آخر؟!! لدي قصة أريد أن أرويها لك طبعا عن صيد السمك وكما تعرفين جيدا فالصيادين مغرمين بترديد مغامراتهم السمكية. أتساءل هل رويت لك هذه الحكاية أيضا؟! أعلم أنني أحيانا أردد على مسامعك قصص الصيد عشرات المرات، وأنت بأريحتك المعتادة تنصتين باهتمام بل تبدو على سيمائك تلك الدهشة البكر وكأنك تستمعين للحكاية لأول  مرة.............. آه يا لك من امرأة مدهشة من أين تأتيك تلك القدرة على احتمال ترديد حكاوي!!

( كانت العوامة تتحرك في بطء ورفق، يسارا ويمينا، تيقنت أن تلك شارات (الترس) وبشارة الموسم الجديد فهي السمكة الوحيدة التي تغازل الطعم في رقة ودلال في بدايات زمن "الدميرة". أخذت عضلات جسدي تتوتر وقبضتا يداي تزدادان تتشبثاً بعصا الصيد. اٍن قليلاً من عدم التركيز والعجلة كافيان باٍفلات السمكة. العوامة تغطس قليلاً ثم تطفو من جديد على السطح، تقف ساكنة لحظة من الزمان ثم تبدأ في الدوران، كان عليّ أن أؤقت جيداً زمن جذب الخيط ما بين غطس العوامة وعودتها اٍلى السطح مرة أخرى. لأن هذه السمكة من الحذر والذكاء والرشاقة بحيث تستطيع اٍمتصاص الطعم كاملا والهروب دون اختفاء العوامة من سطح المياه، جذبت الخيط، أحسست بثقل العصا ومقاومة مستميتة من أجل الحياة، عندها علمت أن الترسه قد علقت بصنارتي. وقفت على الشاطئ وهي تحت قدمي عارية تنظر اٍليّ في استسلام حزين. تأملت جسدها الممشوق، بشرتها المكسوة بألوان قوس قزح وعيناها الكحيلتين. كانت تماثل كل حسناوات دافنشي. تلفت حولي لم يكن على الشاطئ سواي. أمسكت الترسة الجميلة والرائعة، أخرجت الصنارة من فمها وبرفق أعدتها للنيل.) هل رويتها لك من قبل؟!

أنت دوماً لا تسأليني لماذا تنتهي حكاوي بشكل درامي وفنتازي وأعتقد لأنك تعلمين مدى جموح خيالي وسطوته وتقبلين كل ذلك على علاته - تنويه- ( تلك الصفة أوقعتنا في كثير من المشاكل) بالمناسبة أنا معجب بترديد هذه الحكاية وأود كتابتها، هل تعتقدين أنها يمكن أن تكون مشروعاً واعداً لقصة قصيرة؟

المهم أعود لاٍتمام حديثي الأول، ممارسة الصيد في هذه البلاد لم تستهويني ولا أجد سبباً محدداً لذلك!. أحس أن هنالك شيئا ناقصاً أو مفقوداً! الصيد هنا وجاهة واكمال لمباهج الحياة والصيد في سوداننا أكل عيش. هل يا ترى هذا هو الفرق؟!!!!

هل أبدو ثرثاراً وأنا أتناول كل تلك القصص والحكاوي؟!! أنت قليلة الكلام وأنا كثيره وأحتار كيف تم ذلك التكامل الفذ؟!! المهم من أجل الاٍختصار سألخص باقي اٍخبارياتي في نقاط.

القيامة بدأت نذرها في (حلتنا) كل من نعرفه قد قضى نحبه ويبدو أننا حينما نعود لذلك الوطن لن نجد أحداً لنتبادل معه الذكريات.

كثير من الأحفاد قد رزقوا بأبناء ، التوازن الطبيعي أو معادلة الحياة.

العيال لا زالوا يواصلون فتوحاتهم المدهشة.

أخيرا أقول الربيع هنا وأمطاره المتواترة يذكرني باستدامة بخريف الرشاش الأمدرماني وتلك الأيام الرائعة التي قضيناها.  أحيانا أتمنى أن تتاح لي الفرصة لأعيش خريفاً آخراً مماثلاً ولكن ذلك الحلم ينقطع استمراره والذاكرة تعيد وتردد ذلك المثل (أم جركم لا تأكل خريفين) .

_______________

أم جركم: نوع من الجراد يعيش خريفاً واحداً (دورة حياة واحدة أو زمنا واحدا)

- الترس : سمكة نيلية رائعة الشكل تكثر زمن الدميرة.