و سيظل السؤال قائما؟!

 عدنان زاهر

بعد سنوات عدة أتيحت لحكومة الاٍنقاذ لمعالجة الأوضاع في دارفور، وبعد تلكؤ ومناورات دامت أشهر أخرى مارستها السلطة بعد استلامها للقرار 1593 القاضي باٍحالة بعض المتهمين للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية ، وفي خطوة لاهثة متعجلة، تلاحق الزمن وبالتحديد قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية لويز مورينو أوكامبو بدء التحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الاٍنسانية في دارفور وتقديم تقرير حول سير الاٍجراءات لمجلس الأمن بتاريخ 29 يونيو الجاري ، أصدرت السلطة في الخرطوم قرارا بتكوين محكمة خاصة "متنقلة" مقرها "نيالا" برئاسة مولانا "أبكم" لمحاكمة مرتكبي جرائم دارفور، على أن تبدأ أعمالها فوراً كما كونت هيئة للاٍدعاء من بعض مستشاري النائب العام.

ومن الطريقة التي صدر بها القرار ومن الهرولة غير الوقورة لتنفيذه ومن الحملة الاٍعلامية المتهافتة لتبرير تكوين محكمة محلية بديلاً للمحكمة الدولية ورفض قرار مجلس الأمن يتضح أن السلطة تهدف:

أولاً: منع مثول ال51 متهما المطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية بكل الوسائل والطرق ، مستندة في موقفها بأن اٍحالة المطلوبين أمام محكمة دولية ينتقض وينتهك السيادة الوطنية. وتراهن على أن محاكمة بعض الأفراد في أماكن متفرقة منتقاة أمام المحكمة التي قامت بتكوينها قد يجنبها مشقة ورفض تسليم وتقديم المطلوبين للمحكمة الدولية باعتبارها بذلت جهداً معقولاً ومقدراً في سبيل التحقيق ومقاضاة المتهمين وبذلك تكتفي المحكمة الجنائية الدولية بما تقوم به . والسلطة في سعيها هذا تنسى متعمدة وتحاول تشويش ذاكرة الجمع في أن قرار مجلس الأمن أتخذ في الأساس لاٍعتقاده  أن السلطة القضائية تحت سلطة الاٍنقاذ غير قادرة على تنفيذ العدالة المطلوبة في هذه القضية. كما أن قول الاٍنقاذ أنها تهدف للحفاظ على السيادة الوطنية يدحضها قبولها لقوات من مختلف الأمم في كل المواقع الاٍستراتيجية في السودان وتحويل السودان اٍلى محمية دولية. كما أن تسليم متهمين بارتكاب جرائم اٍنسانية الى محكمة دولية في ظل قضاء متهما في كفاءته وحيدته لا يعني انتهاكا للسيادة الوطنية.

ثانيا: أن الشكل الذي كونت به الحكومة المحكمة قصد به استدرار عطف الجماهير وذلك بمحاولة اٍستدعاء رمز اٍنتفاضة أبريل في العقول باعتبار أن مولانا "أبكم" كان من ضمن بعض القانونيين الذين شاركوا في تلك الحقبة لمحاسبة بعض رموز مايو. ورغم أن مولانا "أبكم" قد صرح بأنه سيعمل وفق ما يراه سليما لتحقيق العدالة وسيرفض أي تدخل في عمله اٍلا أنه لن ينجح في ذلك ، لظروف موضوعية وليست ذاتية متعلقة بشخصه. فهذا النظام لن يدع مولانا أبكم أو غيره يحقق العدالة المطلوبة أي مثول المتهمين الحقيقيين أمام هذه المحكمة الخاصة ، وستضع كل العراقيل المرئية وغير المرئية لتحقيق هذا الهدف. وفي تقديري ستكون تجربة مولانا أبكم تجربة مكررة وشبيهة بتجارب أشخاص آخرين خدعوا في هذا النظام وانخرطوا في مشاريعه "المراوغة" ثم انسلوا منه بهدوء بعد أن اكتشفوا زيفه ، تطاردهم ظلال تلك الفترة بقية حياتهم.

ثالثاً: يستشف من التصريحات التي أدلى بها بعض مسئولي هذا النظام للاٍعلام بأنهم سيقومون بتقديم مرتكبي جرائم السلب والنهب لهذه المحكمة وذلك يبين عزم السلطة اٍفراغ الاٍتهام من محتواه ومضمونه وتحويل الاٍتهام من قضايا ارتكبت ضد الاٍنسانية اٍلى قضايا سلب ونهب عادية.

اٍن الاٍسلوب الذي تتبعه الاٍنقاذ الآن في هذه القضية المعقدة هو أسلوب مكرر ومعاد استخدمته كثيرا في القضايا التي لا تريد معالجتها بجدية أو مواجهتها فتلجأ للمناورة والخداع لكسب الوقت (أو ترك الزمن لحل المشكلة). اٍن هذا النظام لا يهمه مصلحة الشعب السوداني بل يهمه فقط المحافظة على نظامه ومصالحه وخير دليل على من نقول في هذه المسألة  وبالتحديد هو استهانة النظام وعدم اٍلتفاته لتصريح المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية عند لقاءه مع "أبوالغيط" في مصر بتاريخ 26/5/2005 وقوله بعد نهاية ذلك اللقاء بأن القرار 1593 صادر بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في اٍشارة دبلوماسية ذكية ولكنها واضحة وصريحة هي اٍمكانية تنفيذ ذلك القرار بالقوة اٍذا لزم الأمر وذلك ما يكفله القانون الدولي لمجلس الأمن . ذلك ببساطة يعني أن المحكمة الدولية تنوي بالفعل تنفيذ الأمر بالقوة اٍذا لزم الأمر كما أن ذلك أيضا يعني أن حكومة الاٍنقاذ بموقفها هذا سوف تحول السودان اٍلى عراق آخر.

اٍن ما حدث في دارفور وما يحدث الآن من قتل وسلب واغتصاب للنساء وتشريد للأهالي من مناطقهم وتهجيرهم بالقوة هي مسئولية حكومة الاٍنقاذ ومشاركتها ذلك بالفعل أو مباركتها بالصمت وغض الطرف عما ترتكبه المليشيات العربية " الجنجويد" من جرائم في تلك البقعة من أرض الوطن. لكل ذلك يظل السؤال قائماً : هل هذه السلطة أي السلطة الحاكمة في الخرطوم مؤهلة فنيا وأخلاقيا لمحاكمة مرتكبي الفظائع في دارفور؟!...........لا أعتقد ذلك.

24 يونيو 2005