ثقافة (الرأس)
عدنان زاهر
من المدهش والمحزن معاً أن تكتشف أن هنالك مساحة شاسعة ، وخلافاً بيناً بل مفارقة بين الفكر والممارسة في حياتنا. بين المبادئ التي نؤمن بها ونقاتل من أجلها وننادي بأن تسود حياتنا، بين التنظير المستدام والسلوك اليومي الكلي أو الجزئي المناقض لما نطرح. في تقديري اٍن ذلك مدخل مهم لا بد منه لما أريد أن أقوم بطرحه .
قبل أسبوع كنت أقضي عطلة نهاية الأسبوع مع أحد الأصدقاء (الماهلين) كرماً وثقافة واحتراماً للاٍنسان وأحرص كثيرا على عدم ضياع فرصة للجلوس معه كلما كان هنالك متسعاً من الوقت لتبادل الآراء حول قضايا السودان الساخنة (التي لا تبرد أبدا)، أخبار الثقافة والأدب والفن محلياً وعالمياً ، وأخيراً اجترار قشفات أمدرمان المالحة وسخريته الحكيمة التي تطال كل الأشياء ولا تستثني حتى شخصه. في تلك الأمسية طلب مني صديقي أن أختار أغنية لفنان أحبه وأود سماع اٍحدى أغانيه. صديقي هذا هو المعادل الحقيقي لاٍذاعة أمدرمان، وتجد في مكتبته أشرطة ثقافية لا تتوفر حتى لتلك الاٍذاعة المتواضعة. مكتبته تحتوي على كل أغاني الحقيبة، الأغاني الشعبية المتنوعة، أغاني الجيل الأول والثاني من فناني ما بعد الحقيبة وحتى الأغاني العربية الكلاسيكية وبعض فرق الفنانين العالميين. قلت له مستجيباً لدعوته وبعفوية أريد أن أسمع ( ----- ) ذاكرا اٍسم أحد الفنانين الواعدين. نظر اٍلي صديقي شذراً، متجهماً ومندهشاً كأنني قد طلبت (رأس نيفة) ولولا عمق العلاقة بيننا والاٍحترام المتبادل لظننت أنه قد يطلب مني مغادرة المكان وفورا.ً
وبمناسبة (رأس النيفة) وايرادها في السياق هنالك قصة لا بد من ذكرها . لدي صديق آخر من أيام الدراسة الأولى تيسرت اموره وصار من أصحاب الملايين حكى لي أنه قابل صديقاً له (على قدر حاله) كما يقول هو مضت فترة طويلة من الزمن لم يلتقي به وأراد صديقي المليونير أن (يبر) ذلك الصديق القديم (فأخذته في سيارتي الفارهة الى أحد الفنادق الراقية التي يحتضنها مجرى النيل وسألته ماذا يريد أن يأكل في افطاره؟ فرد علي دون تردد أنه يريد أن يفطر رأس نيفة- تخيل رأس خروف!- فطلعت بيهو طوالي اٍلى أحد مطاعم السوق العربي). وأضاف صديقي في تأفف (مرمي الله ما بترفع).
طبعا كان في مقدور هذا الصديق البائس أن يطلب وهو في ذلك الفندق الفخم (المحمر والمقمر) كما كان في استطاعته أن (يحلي) بفاكهة مستوردة من جزر بربيدوس (Barbados) في بلد يقتات أطفالها من (الكوش) كالكلاب في أطراف المدن وعشوائياته.
كان في اٍستطاعتي أنا أيضاً أن أطلب من صديقي سماع سرور، كرومة، الكاشف أو حتى الكابلي. كان علي أن أختار ما تحتويه مكتبته التي يعتقد أنها تحدد اٍطار وحدود المثقف السوداني وما يجب عليه أن يكون وألا يتجاوز ذلك (ثقافة الوسط) . الشخص رقيق الحال آثر أكل الرأس لأن ذلك ما يعرفه ، ما يتذوقه أكثر، ما يشبعه وهو الطعام الأقرب اٍلى نفسه ومزاجه. كما أنني ورغم وجود تلك (الهيلمانة) من الفنانين آثرت سماع ذلك الواعد لأنه الاقرب اٍلى مزاجي ووجداني وأتذوق ما يقدم من أغنيات.
قفزت حكاية (الرأس) اٍلى ذهني وصديقي (الماهل) ينظر الي مندهشاً ثم متعجباً ومستسلماً. تمالك نفسه وبأدبه الجم رد بأنه لا يقتني أشرطة من ذلك (النوع!) لمثل أولئك الفنانين ولكنه قد سمع هذا الفنان الذي طلبت سماعه في أكثر من مناسبة عامة ولكي يطيب خاطري أضاف (اٍنه فنان فرفشة وهجيج!!). قبلت اٍعتذاره مرغما.ً
هذه الحادثة البسيطة في حيثياتها طرحت كثيرا من الأسئلة البكر في ذهني وجعلتني أستعرض وأفكر في كثير مما نؤمن به منهجاً لحياتنا وما نمارسه فعلياً في الحياة وهالني ما توصلت اليه. لقد اكتشفت ما لم أكن منتبهاً اليه، اكتشفت أشياء كثيرة تمارس بحكم العادة وأصبحت مقبولة وهي في جوهرها ومضمونها تتعارض وتتناقض ما ينادى به من قيم ومبادئ.
صديقي يتكلم كثيراً عن حرية الرأي واحترام الرأي الآخر ، يتحدث عن ديمقراطية المعرفة ، التنوع الثقافي وضرورة أن يحتل الجيل الحالي من الشباب مكاناً مرموقاً على كافة الأصعدة باعتبار ان المستقبل لهم . تلك قيم يؤمن بها ويرددها كثيراً في أحاديثه ولكنه حقيقة لا يمارسها. رفض قبول طلبي الفني لأنه يعتقد أن ذلك يتعارض وفهمه للفن ولمعاييره الفنية وأن ما قمت بطلبه ليس جديراً بالسماع. أن موقفه ذلك شكل من أشكال القمع والديكتاتورية المستبطنة وهنالك أشباه كثر لصديقي الذين لا يريدون أن يسمعوا صوتاً آخراً ورأياً مغايراً لما يؤمنون به ، يريدون فقط سماع صدى قناعاتهم الشخصية .
يمكن أن نورد أمثلة كثيرة لتلك القطيعة بين الفكر والممارسة في المجتمع السوداني وبين أوساط مثقفينا ومتعلميننا . نجد الكثيرون يتحدثون عن حقوق المرأة بل يحفظون عن ظهر قلب كل المؤتمرات التي كرست للدفاع عن حقوق المرأة وطرح قضاياها ولكن في واقع حياتهم يمارسون اضطهاداً متواصلاً للمرأة ومحاولات متكررة لاقصائها وارجاعها الى مجتمع الحريم .
كثيرون يتحدثون عن حقوق الطفل، وحقه في الرعاية والتعبير عن احتياجاته ويوافقون على كل ما جاء عن حقوق الطفل في المواثيق الدولية الأنسانية ويمارسون قمعاً يومياً على الأطفال يبدأ بالمدارس وينتهي بالمنزل .
يتكلم كثيرون عن دولة المواطنة والمساواة والتنوع العرقي والثقافي ولكنهم في حياتهم يمارسون تفرقة واضطهاداً ، وخطاباً عنصرياً في تعاملهم مع الآخرين .
يتحدثون عن تربية قيادات شابة ورفعها للقيادة و (يكنكشون) بالعشرين على مواقعهم الحزبية القيادية حتى أضحت الأحزاب كخيال المآتة لا تذكر اٍلا مقرونة بأسمائهم و مآثرهم (الكميل- سونجية).
تلك هي اٍشكالية حقيقية تواجه مجتمعنا وتحدي يجب أن نكتشفه أولاً ، أن نعترف به ثانياً ثم نعمل على تغييره أخيراً . وبهذه المناسبة يتحدث الكثيرون هذه الأيام عن سودان آخر يجري اٍعداده !! فهل يمكن أن تجد ثقافة (الرأس) موطئ قدم في هذا السودان الجديد؟!!!!
24 ديسمبر 2003