أنهم يبتلعون الموردة الآن توطئة لالتهام أمدرمان الثقافة والتاريخ!
عدنان زاهر
أوردت بعض الصحف أخبار عن قيام جهة مجهولة الهوية بمحاولة اٍحياء مشروع بحيرة أبوعنجة الصناعي، الذي تقرر اٍنشاءه أبان عهد نميري ثم تلاشى فجأة كما بدأ. ويقال أن الجهة المجهولة قد خطت خطوات عملية في ذلك الاٍتجاه. وهي قد اتبعت نفس الأسلوب والتكتيك الذي يمارسه طفيليو الرأسمالية الاٍسلامية عندما يقومون بالسطو على قطعة أرض أو أحد الأمكنة العامة. ذلك التكتيك والتكنيك يتمثل في الآتي:
1/ اٍهمال الجهة المسطو عليها وذلك بايقاف ومنع مدها من الخدمات الضرورية لفترة من الوقت حتى تصبح خرابا أو تصبح بؤرة لرمي الأوساخ ومرتعا لمرتادي الاٍجرام والمشردين.
2/ يعقب ذلك اٍنزال مواد البناء المزمع استخدامها في المشروع وتظل هي أيضا لفترة من الوقت.
3/ بعد ذلك تحضر الآلات والأدوات المفترض استخدامها في المشروع.
4/ يبدأ العمل فورا ليلا ونهارا وبعد مدة وجيزة تكون اللبنات الأساسية في المشروع قد قامت.
5/ تنصب بعد ذلك لافتة باٍسم المشروع و الجهة الهندسية المنفذة مع اٍخفاء اٍسم الجهة التي قام المشروع لمصلحتها.
تنفيذ تلك الخطوات في العادة يستغرق من عام وحتى ثلاثة أعوام حسب أهمية الموقع والمشروع. عندما يكتشف المواطنون بأن هنالك مباني قد أنشأت في المنطقة قد تلحق بهم ضررا ، أو أنه قد تم الاٍستيلاء على أراضي منحت لهم سابقا ، أو أن المشروع المزمع اٍنشاءه قد يؤثر على المنطقة اٍجتماعيا وصحيا، ثم تزول دهشتهم، عند ذلك يبدأ استخدام الجزء الآخر من التكتيك (المقتبس من التجربة الاٍسرائيلية) وهو الترغيب والترهيب وفرض سياسية الأمر الواقع. وفي الغالب يخضع المواطن البسيط للأمر في ظل غياب الديمقراطية ويقبل (بالمقسوم) مفوضا أمره اٍلى الله ، خاصة وأن تلك الفئة تستعين بكل أجهزة قهر الدولة في تنفيذ تلك الخطوات.
قبل الحديث عن مشروع بحيرة أبو عنجة نود أن نقول أن الدولة وتجارها وسماسرتها قد استولوا بذلك الأسلوب الذي ذكرناه سابقا وأساليب أخرى متعددة على كل الأمكنة والمساحات والأراضي في المناطق الاٍستراتيجية في العاصمة المثلثة والتي خططت في الماضي كمتنفس للمواطنين وذلك بخصخصتها أو بيعها لأثرياء العرب المترفين حتى لم تتبقى قطعة أرض أو مساحة للتنفس وصارت العاصمة كتلة صماء من الأسمنت متنافرة الأشكال ومفتقرة لأبسط قواعد التنسيق الهندسي والجمال المعماري. ذلك السطو المنظم والمقصود شمل على سبيل المثال وليس الحصر الفندق الكبير، حديقة الحيوان، غابة الخرطوم....الخ القائمة المفجعة والمليئة بالمآسي.
تجار الاٍنقاذ وسماسرتها المتخمون بأموال الشعب يقومون عمدا باٍخفاء الأسباب التي من أجلها تركت تلك المناطق خالية من المنشآت عند تخطيط المدن في السابق وأن ذلك قد تم لأسباب اٍجتماعية وبيئية وصحية. اٍجتماعية بأن تكون تلك الأماكن متنفس للمواطن البسيط بعد عناء الحياة ومكان لممارسة أنشطته الرياضية والاٍجتماعية و موقع للاٍحتفال في الأعياد والمناسبات الدينية والقومية. صحية يتنفس المواطنون هواءا طلقا كما هي أحد الطرق المتبعة للمحافظة على البيئة من التلوث ، كل ذلك يتم دون رهق لميزانية المواطن. ولا نريد أن نتوسع في ذكر السلبيات والمشاكل التي قد تنشأ من التعدي على تلك المساحات وهي قد نشأت بالفعل ويمكن أن نفرد لذلك مقال آخر لكننا نضيف أن ذلك النشاط المفترض أن يقوم به المواطن ليس ترفاً بل هو أساس لتطور النشئ والدولة مستقبلا.
حكاية الاٍعتداء على حي الموردة لم تبدأ بمشروع بحيرة أبوعنجة المزمع اٍنشاءه الآن بل هي خطوة من مخطط كبير يستهدف الاٍستيلاء على مناطق أمدرمان المتاخمة النيل. وفي تقديري أن البدء بالموردة أتى من موقعها الفريد في مدخل أمدرمان وقربها من النيل والمناطق السياحية في مدينة الخرطوم اٍضافة اٍلى البنية التحتية الجاهزة المتمثلة في حدائق ومنتزهات أنشأت أساسا لتكون متنفساً لمدينة أمدرمان وأسرها ولقاءاتهم الدورية الاٍجتماعية.
أتذكر في بداية حكم الاٍنقاذ وبالتحديد في منتصف تسعينات القرن الماضي واٍبان سطوة الاٍنقاذ وجبروتها، سرت معلومة انتشرت سريعا بين سكان حينا (فريق ريد)- وهو الحي الذي تحده مدرسة القابلات شمالا وحديقة الموردة جنوبا- بأن حكومة الاٍنقاذ على لسان عرَابها في – ذلك الوقت – الترابي أنها سوف تقوم بالاٍستيلاء على المنطقة عن طريق الشراء بعرض مبالغ ضخمة و يشمل الاٍستيلاء حتى على مدرسة القابلات وتحويلها اٍلى منطقة أخرى ومن ثم اٍبدال المنطقة اٍلى مدينة جامعية اٍسلامية. المعلومة كان المقصود منها جس نبض السكان وسلطة الاٍنقاذ تعلم عن طريق السماسرة المتعاملين معها أن تلك المنطقة كما هي معظم مناطق أمدرمان القديمة قد تحولت اٍلى منازل للورثة، كما تعلم أيضا أن معظم أبناءها قد تفرقوا في معظم أنحاء الدنيا والوطن أو تدهورت أحوالهم المعيشية كمعظم مواطني السودان أو تضاربت مصالحهم. المهم تمت مقاومة صامتة لذلك العرض وحتى الذين لعب برؤوسهم الاٍغراء خضعوا لرأي الجماعة ورفض ذلك العرض المستبطن. ويبدو أن المشروع قد واجهته صعوبات فنية وقانونية.
الاٍنقاذ لم تيأس واستولت بعد ذلك على مدرسة الحرية الوسطى في ذلك الوقت وحولتها لجامعة القرآن الكريم ثم اٍستولت على المثلث المخضر الواقع أمامها وضمته اٍلى الجامعة وكان بعض أهالي الحي والمهتمين بتاريخ السودان أن يكون ذلك مكانا لدفن رفات البطل علي عبداللطيف. بعد ذلك تم الاٍستيلاء على الريفيرا والمنطقة المتاخمة لها والتي تقع بها أحد طوابي المهدية التي أنشأت للدفاع عن مدينة أمدرمان. وكان ذلك الموقع منفذا للنيل تعود أن يستخدم بواسطة أهالي أمدرمان في أفراحهم وأعيادهم. ثم اٍستولت على الجزء الذي يقع شمال الطابية وحولته اٍلى كازينو سياحي وتحولت الطابية اٍلى مسخ مشوه بالمنشآت التي من حولها ولا يستبعد أن تزال مستقبلا. توقف ذلك الزحف الهولاكي في المساحة الممتدة أمام اذاعة تلفزيون السودان ويبدو أن تلك المساحة لم تمنح لهم لأسباب أمنية يمكن تجاوزها في المستقبل. أيضا تم الاٍستيلاء على حديقة الموردة كما تم الاٍستيلاء قبلها على حديقة النيلين والجندول وضمهما لجامعة القرآن الكريم وصارت تلك الأمكنة التي حولت لأماكن سياحية أماكن للصفوة ومنتدى للقادرين على دفع آلاف الجنيهات. أيضا أقاموا سوق للسمك بالقرب من حديقة الموردة تدور همسات كثيرة حول كيفية اٍنشاءه وتمليكه وتجاوزات تمت لقوانين صحية في منطق سكنية. كما تم أخيرا الاٍستيلاء أيضا على مدرسة الموردة الاٍبتدائية والتي خرجت أجيالا من الرواد ولا يستبعد الاٍستيلاء على دار الرياضة أمدرمان، سجن أمدرمان ومدرسة المؤتمر الثانوية خاصة أن هنالك اٍشاعات تناولت ذلك الموضوع.
يتم اٍنشاء كل تلك المشاريع تحت دعاوي التحديث والتطوير وهي التعابير التي ترادف في قاموسهم للسرقة والنهب المنظم والغش والتدليس وهي المعبر لاٍنتفاخ جيوبهم المتخمة أصلا بأمول الشعب.
اٍن مشروع بحيرة أبوعنجة قد تم الاٍعتراض عليه من قبل معظم سكان المنطقة منذ عهد نميري لأسباب عدة لا زالت حجتها وموضوعيتها قائمة حتى اليوم، وذلك لأن هذا المشروع : 1/ يتعارض وصحة المواطنين. 2/ يلوث البيئة. 3/ أن الخور منفذ للمياه القادمة من غرب أمدرمان في موسم الخريف ومنفذا للمياه في موسم فيضان النيل. 4/ أن المنطقة سكنية ومكتظة بالسكان ومثل ذلك المشروع يحمل الكثير من الاٍزعاج والمضايقات للأسر واٍلا أن المقصود من المشروع اٍزاحة الساكنين في هذه المنطقة وقد بدأ هذا بالفعل بعرض مبالغ ضخمة لساكني المنازل في تلك المنطقة. اٍن طفيليو رأسمالية الاٍنقاذ ومن تبعهم من سماسرة الأراضي والبشر وهم (جنجويد) العاصمة المثلثة لا يستهدفون فقط أمدرمان المباني بل أمدرمان النسيج الاٍجتماعي و أمدرمان الثقافة والتاريخ.
23 أغسطس 2005