الرسالة الثالثة
عدنان زاهر
عندما أدخلت باهتمام وحذر التاريخ 24 نوفمبر 2001 ميلادية الموافق 9 رمضان 1422هجرية في تلك الآلة الذكية وانتظرت دورتها متلهفاً كانت الأجابة كما توقعت تماما ( ذلك اليوم خامل الذكر منذ بدء الخليقة ) . عندها لم يخامرني أدنى شك أن ذلك لم يكن بمحض الصدفة، و أن ترك ذلك الفراغ الزمني خارج الفعل قصد به تمجيد ذكراها. كما أن ذلك التمييز الممعن في الخصوصية لفترة تقارب الخمسة بليون سنة هي عمر الأرض يجسد فداحة المأساة.
مرة أخرى أنتهك قانون الصبر والجلد و أعود مختاراً للكتابة اليك رغم كل التحفظات و المحاذير. صفة الصبر والقدرة على الاٍحتمال هي احدى صفاتك التي عجزت عن اكتسابها رغم طول (العشرة) والتناغم . أمس أخذت "لودي" لطبيب الأسنان لمعالجة بعض أسنانها التي فسدت من كثرة تناولها الحلوى ( لم أجد طريقة لمنعها ) ، كان وجودي معها ضروريا لمساندتها معنوياً....صدقي أدهشتني قدرتها على احتمال الألم . وأحسست وقتها أنني أنا المحتاج للمساندة لاٍحتمال احتمالها الألم . وفي ومضة عابرة ارتسم وجهك على وجهها وعجزت عن التفريق بينكما. هذا واحد من الأسباب التي دعتني الى الكتابة اليك ، أحد الطرق الملتوية في السلوك الاٍنساني للاٍحتماء بالآخرين أو كما يقول أهلنا مدمني الحكمة حاجة الأنسان للبحث عن (ضرا). تريدين الحقيقة .... وجدت تلك ذريعة ومبرراً للكتابة اٍليك لمواصلة الحوار والتواصل .
الناس في الأرض الجديدة ليس كما عهدناهم هنالك . ضاع شيئاً منهم أعجز عن تسميته فافتقدوا الوسامة وفرد الذراعين. هل يمكن التعبير عن تلك الحالة بأنهم يعيشون في دواخلهم يجترون أحلامهم المجنحة؟!! يبدو أنهم يعيشون الحد الفاصل بين عالمين ، عالم اللماحة و البشاشة و عالم الوحدة والتكيف والاٍستلاب . أجد صعوبة في الاٍقتراب منهم ولكن الخيار الآخر أكثر صعوبة و هو اعتزالهم و ذلك كما تعلمين ليس بحل .
قبل عدة أيام خاطبني فرحاً أحد الأصدقاء عبر الهاتف من تلك الأرض البعيدة ذاكراً لي أنه قد تم منحنا قطعة أرض. ابتسمت في مرارة و سخرية ، وتذكرت قول شقيقتي الكبرى في سياقه الآخر ( الأرض ترث الناس ) . خاطبت نفسي همساً ( خمسة و ثلاثون عاما خدمة مشتركة – أنا و أنت – سبعين خريفاً وشتاءاً وطلب مضى عليه خمسة عشر عاماً حتى نسيناه ، ما هذا الاٍبتذال و مراوغة الآخرين ؟! )
رددت عليه ببرود ( جاء الرد خارج الزمان و المكان .) واصل حديثه مندهشاً ومنزعجاً ( اٍنت حترفض؟ ) فأجبته متفلسفاً ( ما ضير قبولها ، سيكون لبناتنا خيط يربطهم بذلك البلد ). اختزلت الوطن في قطعة أرض.
حطت لدينا في هذه الأيام طلائع الشتاء برياحه المتقلبة ورائحته المميزة ، في بلادنا يسمون هذه الفترة المموهة بالتفاصيل يسمونها هنا مراهقة الفصول . كم هي مدهشة تباين الثقافات!!
تلك الرائحة استدعت كل الذكريات الدفينة وفتحت كل مواقع الجراح . منذ أن كنت صغيراً وحتى يومنا هذا أتهيب الشتاء ، أحس بالحزن والضياع بين ثناياه ولم أجد تبريراً منطقياً لذلك الاٍحساس . خالي أحمد كان يقول أن جل أسرتنا ترحل في بدايات الشتاء وكانت يتنفس الصعداء نهاية كل عام . كنت أعتبر قوله محض هراء ومن قبيل الخزعبلات والأوهام حتى فاجأني برحيله ذات شتاء بارد وحزين ، وصدقت مقولته حين رحلت أنت ذات شتاء مشابه ولكنه أكثر قتامة وفاقع الحزن . هل كتب علينا أن نقدم أروع البشر فداء للشتاء لمواصلة الحياة كما يقدم قدماء الفراعنة أجمل الفتيات قرباناً للنيل لاٍندياح المياه ؟!
الناس في بلادنا يخشون الشتاء وأتساءل لماذا ؟ هل هو الخوف من برودة لياليه و وحدتها ؟ أم الخوف من الرحيل ؟ أم كليهما معا؟
الزمن (مجلود) في الأرض الجديدة فعجزنا عن الأمساك به . هل تصدقين في فترة خمسة أشهر تعاقبت كل أعياد ميلاد الذين أعرفهم و لا أعرفهم . أصبحنا لا نحلم لأن الوقت لا يكفي لذلك . كم أتمنى اليوم أن أحلم ولو مرة واحدة حتى ولو حلم يستحيل تحقيقه!!
عزيزتي ..... أناور و (أجقلب و أنطط) منذ بداية رسالتي حتى أمتلك القدرة على التوازن وأنا أكتب كلماتي القادمة. لقد قررت منذ بدايه هذه الرسالة أن تكون هي رسالتي الأخيرة. قرار صعب و جائر في بعض حيثياته و جوانبه. لم أجد طريقة أخرى لوقف الألم والنزيف المتواتر لكلينا. أعلم أني أحتاج (لكوم) من الشجاعة و (الصنددة) لتنفيذ ذلك القرار.
هنالك سبب آخر هام وهو أنني أريد أن أوقف عقارب الساعة في ذلك الزمن الذي مضى لأحتفظ ببريقه و بهائه. أتذكر كنت لا تحفظين الأغاني التي تعشقينها ، وعندما سألتك عن ذلك المسلك الغريب أجبتني ( أريد أن أسمعها في كل مرة كما سمعتها في البداية ، أريد أن يتجدد عشقي لها في كل مرة أسمعها من جديد) هل هذه الحكاية لها علاقة بما قررته!!!! لا أدري.
سيظل كل شئ كما خططنا له. لا تقلقي على العيال لأنهم سوف يكبرون ، يتأقلمون وسيكونون أكثر قدرة و جرأة منا على الاٍكتشاف والمغامرة. ولربما يتوصلون يوماً لمعنى للحياة !!
23 نوفمبر 2004