مثل سوداني في زمن الهجرة اٍلى اٍسرئيل!
عدنان زاهر
أوردت صحيفة الشرق الأوسط الصادرة بتاريخ 7/10/2005 أن اٍسرائيل عثرت على 8 سودانيين تتراوح أعمارهم بين العشرين والثانية والثلاثين في صحراء النقب قرب الحدود مع سيناء في بلدة تدعى "عزوز". يقول الخبر أن السودانيين الذين عثرت عليهم طفلة تحت ظل شجرة كانوا في حالة يرثى لها من الجوع والعطش واعتقدت الطفلة في البداية أنهم من اليهود الفلاشا ولكن عند التحدث معهم بواسطة والدتها عرف أنهم سودانيون. يواصل الخبر بطريقة طريفة أن القادمين كانوا في منتهى التهذيب في مخاطبتهم وعندما سئلوا هل يعرفون أنهم داخل اٍسرائيل ردوا بالاٍيجاب بل وطلبوا مقابلة السلطات الرسمية، كما أوضحوا أن السبب من حضورهم البحث عن عمل !!!
الخبر المدهش هو نقلة جديدة في نوعية الهجرة فاذا كان السوداني في ظل هذا النظام هاجر وانتشر في كافة أرجاء الكرة الأرضية حتى أن بعض منهم استقر "بالاٍسكيمو" فهذه هي المرة الأولى التي تحدث فيها هجرة جماعية الى اسرائيل!!
الخبر يدفع القارئ الى التفكير المتأني العميق في اتجاهات متعددة وتبرز في ذهنه أسئلة تطرح نفسها في عناد تبدو في ظاهرها سهلة الاٍجابة ولكنها شائكة التعقيد. ما هي الأسباب صعبة الاٍحتمال التي دفعت باولئك الشباب بالهجرة اٍلى اٍسرائيل؟! ما هي مدى معرفتهم بالنتائج المترتبة على تلك الهجرة؟ مدى ارتباطهم واهتمامهم بقضايا الوطن، وهل يفكرون يوما بالعودة اٍلى بلدهم؟وهل فكروا في طريقة أخرى لحل مشاكلهم المستعصية؟!!....ألخ
كما أن القارئ تتنازعه مشاعر متعددة ومتناقضة غضب ، حزن، انزعاج ،قلق، شفقة وحتى فكاهة...
ولكن ماذا يعني الخبر؟!
الخبر يعني أن هنالك مجموعة من الشعب السوداني – وفي اعتقادي أن هنالك مجموعة كبيرة ومعتبرة مشابهة لها – قد بلغ بها اليأس وفقدان الأمل من امكانية الاٍصلاح السياسي والاٍقتصادي والاٍجتماعي في السودان وبعد تجارب مريرة ومتعددة وسنين من العمر ضاعت هدرا في انتظار المجهول ، دفعتها اٍلى الهجرة الى اٍسرائيل. وتلك خطوة في منتهى التطرف اٍذا وضعنا في الاٍعتبار أن اٍسرائيل تعني في العقل الجمعي السوداني والوجداني رمز للعدوان، البطش، التعسف، الصلف وانتهاك الحقوق. ذلك يعني أن أولئك النفر من البشر قد فاض بهم الكيل ووصلوا اٍلى "حد الحد" و قد فعلوا ذلك وهم عالمين على ما هم مقدمين عليه حسب أقوالهم اللاحقة. وهم أيضا يعرفون أن تلك الخطوة قد تعني لهم استحالة أو صعوبة العودة الى أرض الوطن على الأقل في ظل حكم الاٍنقاذ.
كما هي تعني أيضا استقطاب غضب كثير من الناس ضد تلك الخطوة التي قاموا بها، حتى ولو من باب الاٍنصياع القطيعي تجاه الموقف من اسرائيل وفي نهاية الأمر فأن من يتخذ مثل ذلك الموقف لم يعد مهتما بردود الأفعال أو المواقف ضده.
اٍن ما يحدث ويجري في السودان من مناورات ومكايدات سياسية تكرر بشكل رتيب و مفجع من عام لعام ، التدهور المريع في كل جوانب الحياة، والعطالة المتفشية وانعدام فرص العمل والعيش الكريم،الحرب الدائرة في الغرب والشرق وانتهاكات حقوق الاٍنسان، سياسات التطهير العرقي في دارفور وتهجير المواطنيين من أراضيهم بالقوة واحتلالها، استخدام العرق والدين بشكل منتظم في الخلافات والتصفيات السياسية، الفساد الذي يبعث التقزز والذي مس كل مفاصل الحياة حتى صنف السودان في التقرير الصادر من منظمة الشفافية قبل عدة أيام في قائمة الفساد في المركز 144 وبالاٍشتراك مع الكنغو الديمقراطية والصومال وباكستان وهو أيضا في ذيل القائمة العربية في الفساد. في تقديري أن هذه الأسباب وغيرها كثيرة كافية لدفع الكثيرين لاتخاذ مواقف متطرفة وحادة. ونحن في كثير من الأحيان لا يمكن أن نجبر الآخرين أن يفعلوا وفقا لقناعاتنا ونظرتنا للأشياء وتجربتنا في الحياة.
اٍن هؤلاء النفر بالتأكيد هم ضحايا للسياسة في السودان ومثال حقيقي لما أوصلت اليه الاٍنقاذ المواطنين. كما هي أيضا مثال لفقدان الأمل الذي يدفع بصاحبه لطرق كل السبل.
لا أدري لماذا ورد في ذهني وأنا أقرأ الخبر - وتلك الأشياء تتداعى- المثل الذي يتداوله السودانيين كثيرا "الخلا ولا الرفيق الفسل" والمثل يعني مفارقة الشخص لرفيق صعب المعاشرة. والفسل لغويا كما جاء في المعجم تعني الجبن والضعف وسوء الرأي. والرجل الفسل تعني الرجل الذي لا مروءة له ويستخدم في السودان لوصف الحالة المزرية التي يمكن أن يصل اليها فرد وتدفع الآخرين للاٍبتعاد عنه. واتسع الاٍستخدام والتفسير مع الزمن ليشمل معناه المفارقة لأي وضع تصعب فيه الحياة حتى ولو أدى ذلك لطرق المجهول أو الطريق الصعب أو الخطر أو اللامعقول. أتساءل هل كان ماثلا في أذهان أولئك الشباب ذلك القول وهم يحثون الخطى ، ضاربين بخطواتهم في الصحراء اللاهبة والممتدة بلا حدود نحو اٍسرائيل!!
لا أدري ولكن ظواهر الأشياء تؤكد ذلك الاٍستنتاج!!!
23 اكتوبر 2005