ثقافة العنف
عدنان زاهر
كان "هونج هوشو" ذو الثالث والعشرين عاما طالب التخصص الاٍنجليزي بالجامعة، الكوري الأصل يطلق رصاصاته القاتلة على الموجودين داخل حرم جامعة فرجينيا بأمريكا دون تخصيص أو هدف محدد. كل الموجودين داخل ذلك المبنى الطلابي كانوا هدفه، عندما أكمل مذبحته وخوف الوقوع في أيدي الشرطة أطلق آخر رصاصاته على نفسه ليموت منتحرا. كانت حصيلة ذلك القتل المجاني الذي قام به 22 قتيلا وأكثر من 40 آخرين مصابين بمختلف الجروح. هونج وقبل اكمال جريمته كان قد قام بارسال فيديو وأشرطة بها صوره وحديث مسجل يشرح ويبين فيه لماذا أقدم على تلك المجزرة. الحادث أقام أمريكا ولم يقعدها حتى الآن، بدأ الكورال الجماعي في جميع أجهزة الاٍعلام المرئية والمقروءة يتحدث عن أهداف الجريمة ودوافعها. ذلك الحوار ساهم فيه اختصاصيون من جميع المهن، علماء نفس، قانون، تعليم، سياسيون وعلماء اٍجتماع....الخ. قالوا أن "هونج" مريض نفسيا ويحمل جرثومة العنف داخل جسده وأن ذلك المرض كان سيؤدي بالضرورة اٍلى هذه الكارثة.
في تقديري أن كل الأسباب التي قيلت لامست الحقيقة بشكل أو بآخر، ولكنها لم تذكر السبب الحقيقي الذي يشار له ضمنا وهو ثقافة العنف التي يرتكز ويقوم عليها المجتمع الأمريكي. أفلام العنف التي تعرض على كل المحطات والتي تسوق لثقافة العنف، برامج تخصص لعرض آخر ما توصلت اٍليه التكنولوجيا في أمريكا من ابتكار أسلحة الدمار واستئصال الآخرين وهذه الأسلحة بأسعار زهيدة وفي متناول الجميع وقد جربت في العراق أو أفغانستان. أخيرا سياسة الدولة المبنية على العنف وحسم قضايا الخلاف في السياسة الخارجية بنفي الآخر أو على أحسن الظروف كسره وجعله خنوعا ذليلا.
تلك الضجة تدفع الى الواجهة سؤالا مشروعا على ذهن المتابع وهو هل هي المرة الأولى التي تقع فيها مثل تلك الأحداث في أمريكا؟ الاٍجابة طبعا بالنفي فهنالك عشرات الحوادث قد وقعت وكانت أكثر بشاعة ولكن في هذه المرة كان عدد الضحايا أكثر. ونورد مثال واحد لتدعيم وجهة نظرنا، ففي نوفمبر عام 1966 دخل روبرت سميث وهو طالب في الثامنة عشر من عمره أحدى محلات تجميل النساء في مدينة "ميسا" بولاية أريزونا وأجبر خمسة نساء وطفلتين على الاٍستلقاء بجوار الحائط ومن ثم أطلق النار على رؤوسهم من الخلف، لم يكن سيمث من المراهقين المشاغبين وكان مصنفا من الطلاب الممتازين في الدراسة، بعد القبض عليه قال لرجال الشرطة (أريد أن أصبح مشهورا وأن أكون لنفسي اسما معروفا للجميع.) بالطبع هناك أسباب أخرى لارتكاب سميث جريمته ولكن يبقى أهمها ثقافة العنف وسهولة الحصول على السلاح الذي يوفر الدخول للشهرة عن طريق العنف!!
تلك الأحداث تقودني بشكل مباشر لما جرى في السودان وما يجري فيه الآن من أحداث. الاٍنقاذ منذ استيلائها على السلطة في 30 يونيو وفي كل بياناتها وأحدايث قادتها كانت تكرس للعنف. بل ذكر قائدها (نحن أتينا بالقوة و من يريد أن يزيحنا فعليه استعمال القوة) وهو يقصد بذلك طريق العنف. سلطة الاٍنقاذ وهي تسعى لتثبيت أقدامها في السلطة اتخذت العنف منهجا في تصفية معارضيها. ثم سعت بكل الوسائل لتجييش المواطنين وأقامت معسكرات الدفاع الشعبي لتقود الشباب لمذبحة الحروب في الجنوب والشرق والغرب في قضايا أصلها سياسيا وتحل عن طريق السياسة وليس العنف. أنشأت بيوت الأشباح لتصفية وكسر معارضيها فمن خالفها فهو مفارق للدين، وتحت اٍعلامها المكثف لتسويق العنف والقوة صار العنف منهجا ووقعت أحداث لم تقع في تاريخ السودان من قبل. قتل العشرات في جامع أنصار السنة في الثورة في الحارة الأولى، أحداث العنف في كمبو مدني، جبل أولياء والكلاكلات، قتل العشرات من الأبرياء بواسطة مسلح في أحداث الجرافة بمدينة الثورة، قتل الفنان خوجلي عثمان بواسطة متطرف اسلامي وأخيرا ذبح الصحفي محمد طه محمد أحمد. تلى ذلك أحداث العنف في الخرطوم وأمدرمان، أحداث الموردة وأحداث المهندسين واستخدام السلطة للأسلحة الثقيلة والعنف المنفلت في حي سكني للقضاء على حادث بسيط. أصبح الحصول على السلاح في السودان أسهل من اغتناء علبة تبغ. كما تجاوز عدد التنظيمات المسلحة في العاصمة المثلثة عدد الأربعين تنظيما وفقا لحديث وزير الداخلية. أصبح العنف سمة أساسية في العمل السياسي بالجماعات حتى أستخدم سلاح رشاش في اٍنتخابات جامعة النيلين الأخيرة. أن العنف حينما يبدأ لن يكون حكرا على من بدأ به وسيستخدم الآخرون العنف بالضرورة لحماية أنفسهم. اٍن سياسة العنف قد خلقت أجيال من الناشئين تعتقد أن الطريق الوحيد لحسم الخلاف أو تحقيق الأهداف هو العنف. أن ثقافة العنف تمضي في اتجاه واحد وهو مزيد من العنف. وفي اعتقادي أنه لن يندهش الكثيرون في السودان اٍذا تكررت أحداث فرجينيا في الخرطوم!!
22 مايو 2007