حكومة الاٍنقاذ واٍدمان الطوارئ

عدنان زاهر

أجاز المجلس الوطني السوداني كما كان متوقعاً – تماماً - تمديد حالة الطوارئ والتي كانت أصلاً سارية منذ استيلاء البشير على السلطة عام 1989 ولفترة عام آخر. وكما جاء في صحيفة سودانايل فاٍن الجلسة التي أجريت فيها تمديد حالة الطوارئ وتعديلات أخرى أساسية وجوهرية في الدستور أحدهما تتعلق بسلطات المحكمة العليا وتعديل آخر يتعلق بالمجلس الوطني ويعطي الحق لرئيس الجمهورية بمد أجل المجلس لأي فترة مناسبة وفقا لمقتضيات السلام. تم ذلك في جلسة لم تتجاوز الساعتين والنصف ولم تناقش فيها الأسباب والمبررات التي استدعت اجراء مثل تلك التعديلات وبتلك العجلة و (الكلفتة) وفي الظروف التي يمر بها السودان مما يعكس الطبيعة الديكتاتورية لسلطة الاٍنقاذ والعقلية الاحادية التي تدير بها شئون الدولة في السودان. كان طلب التعديل قد تقدم به عمر البشير لبرلمانه بتاريخ 13ديسمبر 2004 لاٍجراء هذه التعديلات وتمت اٍجازتها كما أسلفنا سابقاً بتاريخ 20 ديسمبر 2004.

تمديد حالة الطوارئ والتعديلات في الدستور تمت في ظروف غاية في الدقة والحساسية ، ظروف تتعلق بمسار التطور الديمقراطي في الداخل وظروف عالمية تتجه فيها أنظار المجتمع الدولي نحو سودان الاٍنقاذ لترى كيفية المعالجة للأزمة المزمنة المستفحلة والتي يتعلق جوهرها بتوفير الديمقراطية. في تقديري أن كل تعديل تم اٍجرائه يستوجب مناقشته وتفنيده على حدة، لأهمية تلك التعديلات وتأثيرها على مسيرة التطور السياسي والقانوني مستقبلاً. لذلك سوف أكتفي الآن بمناقشة التعديل الذي تم بتمديد حالة الطوارئ لاٍرتباطه بمسائل الديمقراطية واتاحة وتوفير الفرص للعمل السياسي للقوى المعارضة.

اٍبتداءاً أقول أن حكومة الاٍنقاذ تتعامل مع تمديد حالة الطوارئ على أرجاء الوطن كما تتعامل باٍنفاذ الأمر المحلي بقفل أماكن الطعام في نهار رمضان والذي درجت السلطة على اٍعماله بشكل ميكانيكي وروتيني كل عام دون النظر في الأسباب التي أدت اٍلى تطبيقه في البداية وما استجد من ظروف . وهي تتعامل باعتباره أمرا واقعاً مسلماً به لا تستوجب مناقشته والنظر فيه مرة أخرى واٍلا أتهم من أراد ذلك بالكفر والزندقة والخروج من الملة.....الخ  الاٍتهامات الاٍسلامية في قائمة تهم الاٍنقاذ وذلك في بلد متعدد الثقافات والأعراق والأديان.

 ولأن المجلس الوطني أباح لنفسه تمديد حالة الطوارئ دون مناقشة الأسباب التي أدت لهذا القرار سنقوم نيابة عنه بمناقشة الأسباب لنعري مصداقية الانقاذ ونكشف تبريراتها الواهية والمتنوعة. جاء في صحيفة الرأي العام الصادرة بتاريخ 14 ديسمبر 2004 أن الرئيس عمر البشير قد تقدم لبرلمانه لتمديد حالة الطوارئ لمدة 6 أشهر! ( لا أدري لماذا زيدت لعام! وهل الستة شهور الاٍضافية منحة من المجلس الوطني؟) وقد تقدم مبرراً ذلك الطلب بثلاثة أسباب:

1- الخروقات الأمنية والتوترات في دارفور والشرق.

2- تهديد متمردي دارفور بنقل العمليات للخرطوم.

3- النزاعات المسلحة في دول الجوار وتأثير ذلك على السودان.

سنبدأ بمناقشة كل سبب على حدة لنرى هشاشة الأسباب التي اٍستند عليها النظام لتبريره تمديد حالة الطوارئ.

أولا: في ما يتعلق بالسبب الأول ( الخروقات والتوترات في دارفور والشرق) في اٍعتقادي أن السلطة هي المسبب الأساسي والرئيسي لتلك الخروقات والتوترات ، وقد أكدت ذلك الأمم المتحدة والاٍتحاد الأفريقي الذي أرسل مذكرة لحكومة الاٍنقاذ لوقف تلك الممارسات ولم تلتزم السلطة بذلك القرار. حكومة الاٍنقاذ هي التي خرقت وقف اٍطلاق النار، هي التي تمشط القرى الآمنة وتبيد ساكنيها  ، هي التي تقصف القرى بالطائرات ، هي التي تقوم بالاٍعتقالات العشوائية وهي التي تماطل في توقيع اٍتفاق سلام مع الأطراف المعارضة. ذلك يعني ببساطة أن التوترات في دارفور تقوم باشعالها السلطة نفسها وهي المسئولة عنها أولاً وأخيراً.

أما في شرق السودان فليس هنالك معارك عسكرية تدور رحاها الآن ، وقد أوقفت القوى المعارضة أي عملية عسكرية ومنذ فترة ، لتهيئة مناخ صحي وحقيقي في مفاوضات القاهرة مع السلطة . اْذن (حشر) الشرق هنا جاء للتهويل والتضخيم وتغبيش الحقائق أمام الرأي العام. وحقيقة الأمر أن السلطة هي التي تقوم بحشد جيوشها في مناطق الشرق وهي التي تفتعل المشاكل في تلك المنطقة . اٍذن هذا السبب ينتفي وجوده اٍذا وقفت السلطة خروقاتها وتحرشاتها والتزمت بوقف اٍطلاق النار و أسست لسلام عادل و دائم. وكما نرى فهي أشياء بيد السلطة نفسها ولا بيد أحد غيرها .

ثانيا: تهديد متمردي دارفور بنقل العمليات للخرطوم.

وفق رأيي فتلك ذريعة واهية وسبب آخر مراوغ تطرحه الاٍنقاذ لتمديد حالة الطوارئ وذ لك للآتي:

أ) أن السلطة تفترض وهماً وجود خطر في ذهنها لا يوجد على أرض الواقع ولم تقع في الخرطوم أي محاولة من ذلك النوع طيلة هذه الحرب مع كل تجاوزات السلطة وماليشياتها في دارفور.

ب) اٍذا افترضنا جدلاً وجود نية – وهو ما ليس حادثاً بالفعل – لمثل هذا العمل فالقانون الجنائي السوداني وقانون الاٍجراءات الجنائية كفيلان بالمعالجة.

ج) هذا السبب يرتبط وجوده بالسبب الأول فاذا أوقفت السلطة العمليات العسكرية في دارفور ونزعت سلاح الجنجويد ثم وقعت اٍتفاق للسلام ينتفي هذا السبب ويسقط آلياً.

ثالثا: النزاعات المسلحة في دول الجوار وتأثير ذلك على السودان

اٍبتداءا أقول أن هذا السبب هلامي غير محدد وغير مفهوم. فمثلاً من هي دول الجوار المقصودة ؟ ما هي التأثيرات ؟ شكلها ومتى حدثت وما علاقة السودان بها ! ......الخ الأسئلة المشروعة.

طيلة تاريخ السودان الحديث كانت تقع بين فترة وأخرى توترات ونزاعات مسلحة في دول الجوار، ولم يستدعي ذلك اٍعمال قانون الطوارئ في السودان. كما كانت القوات المسلحة السودانية والقوانين السودانية والشعب كافياً لحماية الوطن. اٍن تخوف حكومة الاٍنقاذ ينطلق من موقفها تجاه دول الجوار وتدخلها المتواتر في شئونها الداخلية ومواقفها المتناقضة في الصراعات التي تحدث في تلك الدول ، وخير مثال لذلك ما يحدث في يوغندا فهي مرة تدعم جيش الرب وتحتضن زعيمه جوزيف كوني، بل تقيم له المعسكرات والحماية ومرة أخري نجدها تسمح للقوات الحكومية اليوغندية بالقيام بعمليات عسكرية من داخل السودان في مواجهة جيش الرب!!

اٍن قانون الطوارئ لا يحمي السودان من النزاعات المسلحة في دول الجوار ، بل تحميه علاقات حسن الجوار وعدم التدخل في شئون الدول الأخرى المجاورة . من خلال مناقشتنا للأسباب التي طرحتها الحكومة لمد قانون الطوارئ يتضح ضعفها وهي محاولة للقفز حول السبب الحقيقي لتمديد قانون الطوارئ.

ما يبعث على الدهشة والتعجب أن السلطة تدعي الحرص في البحث لوقف الصراع والنزيف الجاري في السودان ومحاولة معالجة الوضع المتردي. وهي تقول أن محادثات السلام التي تجريها في ثلاث أماكن أبوجا – نيفاشا – القاهرة دليل على ذلك. و اٍذا كانت ما تدعيه حقيقة  وهو البحث عن السلام وعن الديمقراطية فكيف يتأتى لنا أن نفهم قيامها بتمديد قانون الطوارئ ؟!! اٍن اٍعمال قانون الطوارئ يعني تعطيل الدستور ، تجاوز القوانين الأخرى المنظمة والضابطة  للعلاقات في المجتمع وفي نهاية الأمر يعني مصادرة الديمقراطية و التعدي على حقوق الآخرين وهذه الأشياء في صلب المفاوضات الجارية في تلك الدول. اٍن سلطة الأنقاذ تتعامل مع كل قضايا الوطن بأكثر من وجه وأكثر من خطاب سياسي، وهي تناور و تحاور حماية لمصالحها المتنامية . وفي تقديري أن السبب الحقيقي لتمديد حالة الطوارئ والتعديلات الأخرى التي قامت بها الأنقاذ هي اٍستباق لما سوف تتمخض عنه المفاوضات الجارية وهي اٍجراءات تحوطية تقوم بها الاٍنقاذ وسعيها لاٍمتلاك أدوات و (كروت) تمكنها من المناورة أو التنصل من أي اٍتفاق أو اٍلتزام لاحق لا يروق لها أو الاٍلتفاق حوله وهو ما درجت علي فعله الاٍنقاذ طيلة سنين حكمها.

22 ديسمبر 2004