سلطة الاٍنقاذ......و "سهر الجداد ولا نومو"!
عدنان زاهر
يقال أن الثعلب حينما يفشل في اقتناص فريسته من الدجاج المتحصن والمتخندق في قفصه، يقوم بادخال ذيله من اٍحدى فتحات القفص ومن ثم يقوم بتحريكه بطريقة أكروباتية ليبدأ الدجاج "الهلع" في الصياح والعويل الهستيري طوال الليل. من ذلك السلوك الثعلبي استمد السودانيين ذلك المثل البليغ الذي يقول "سهر الجداد ولا نومو". ويضرب المثل للتدليل على حالة القلق وفقدان الراحة التي يسببها شخص لشخص آخر بطريقة غير مباشرة عندما يعجز من النيل منه مباشرة أو الوصل اٍليه لأسباب مختلفة.
ورد في ذهني هذا المثل المعبر وأنا أتابع تداعيات الحديث المرتبك و "الملولو" الذي أدلى به منظر الاٍنقاذ السابق ، الأب الروحي لها، والمشارك بالتضامن والانفراد في كل جرائمها تجاه الشعب السوداني الدكتور حسن الترابي لبرنامج "العين الثالثة" الذي بثته قناة العربية مساء الجمعة 17/3/2006. ذلك الحديث الذي أثار ولا زال يثير كثير من اللغط والجدل داخل سلطة الاٍنقاذ في جميع مستويات تنظيماتها بالاٍضافة اٍلى الشارع السياسي السوداني سواء بسواء. خطورة وأهمية الحديث تنبع من الحقائق التي تم الكشف عنها، التوقيت الذي تم فيه الاٍدلاء بالاٍعتراف ومن ثم الشخص الذي قام بالاٍعتراف ومعرفته المؤكدة واليقينية لدهاليز الاٍنقاذ، أقبيتها وأسرارها المكتومة في صدور من قتلوا ومن هم أحياء. من هنا يتضح السبب وراء كل ردود الأفعال المتباينة.
الترابي في حديثه تطرق اٍلى موضوع حساس حاولت الاٍنقاذ على مدى سنين حكمها مداراته بكل الطرق والوسائل، فقد كشف بعد أن حوصر بأسئلة مقدم البرنامج عن معلومات كان من الممكن وببساطة ألا ترى النور لولا وضع الشيخ "الحالي". لقد ذكر دون أن تطرف له عين أو أن يرتسم أدنى حياء على وجهه الآتي:
1) أن الاٍنقاذ وبعض قادتها الحاليين في قمة هرم السلطة (يقصد على عثمان محمد طه، د. نافع) هما وراء محاولة اغتيال حسني مبارك التي جرت أحداثها في أثيوبيا قبل عدة سنوات اٍبان اٍنعقاد مؤتمر القمة الأفريقي. ذلك الحدث المتهور الذي تسبب في تدهور العلاقات المصرية السودانية اٍلى الحضيض والذي تبودلت فيه المهاترات الاٍعلامية بين السلطتين.
2) ذكر أن المسئولين المتورطين في السلطة الحالية للاٍنقاذ وبعد فشل المحاولة وفي خطوة لاٍزالة آثار الجريمة وضمان عدم تسرب أي معلومات عنها قد قاموا باغتيال عدد من ضباط الأمن المشاركين في تخطيط وتنفيذ العملية.
ويبدو جليا هدف الترابي من هذه الاٍعترافات واختياره هذا التوقيت بالذات فمن خلال كشفه لقادة الاٍنقاذ و وصمهم بالتآمر والاٍغتيال سعى اٍلى اٍرباكهم و زعزعة مواقفهم داخليا وخارجيا وجرهم اٍلى موقف الدفاع. هدف ثانيا اٍلى خلق جو من عدم الثقة في مؤتمر الجامعة العربية المزمع عقده في الثامن والتاسع من الشهر الجاري بين مصر والسودان خاصة أن الدولتين هما وراء فكرة اٍنعقاد المؤتمر في الخرطوم وفقا للصفقة التي بانت ملامحها بين الدولتين والمتمثلة في اختيار عمر موسى لولاية ثانية للمنظمة العربية ودعم مصر للسودان في مواقفه المتدهورة عالميا. نشير هنا اٍلى أن مصالح مصر المتنامية في السودان في فترة حكم الاٍنقاذ يوما بعد يوم.
ردود الفعل من جانب سلطة الاٍنقاذ كانت فورية وعنيفة فقد علق المؤتمر الوطني محادثات "السلام" بينه وبين حزب الترابي المؤتمر الشعبي بدون أي لمحة دبلوماسية باحتمال معاودتها. كما أدلى كبار مسئولي الاٍنقاذ بتصريحات نارية مختلفة فقد ذكر نافع رئيس جهاز الأمن السابق وقد "لحقه رأس الصوت" وهو يصرخ بالصوت العالي (أن الترابي قد فقد البوصلة السياسية)! حذا حذوه في تلك الهسيريا السياسية أمين تنظيمهم الوطني مصطفى اٍسماعيل ذاكرا ما معناه أن حديث الترابي لن يفشل القمة العربية.
أما كتاب الأعمدة الاٍنقاذية فقد احتاروا في كيفية الرد على ذلك الحديث حتى أن أحد كتاّبهم في جريدة الصحافة ذكر ما معناه أن على الترابي أن يقتدي وأن يصل اٍلى قامة عبدالباسط سبدرات الذي رفض حينما استدرجه حسين خوجلي في برنامجه التلفزيوني أن يهاجم الحزب الشيوعي!!!!
أن ورطة حكومة الاٍنقاذ مع عرابها السابق وصراعهم حول السلطة والمصالح والقصور القنّاء لا دخل للشعب السوداني بها ولا تهمه كثيرا بقدر ما يهمه ضبط معدلات ارتفاع مستوى المعيشة وتوفير لقمة العيش الشريف التي انعدمت في عهد الاٍنقاذ، العلاج الاٍبتدائي لأمراضه المستوطنة والمستعصية، رفع مستوى التعليم المتدهور عموديا وأخيرا أن يعيش آمنا في منزله. هنالك جانب واحد فقط في ذلك الصراع يصب في خانة الشعب السوداني وهو كشفه ما خفى من جرائم تساعد مستقبلا في محاسبة من قام بارتكابها.
أن الصراع بين الوطني والشعبي يجسد بشكل مفجع تكالب أهل الاٍنقاذ على السلطان والدنيا كما يلقي الضوء على اللاأخلاقية واللامبدئية التي يدورون بها صراعاتهم ، أجهزة الدولة وكيفية تعاملهم مع من يختلف معهم في الرأي.
21 مارس 2006