فيلم البي بي سي ....... اٍجابات و أسئلة!!

عدنان زاهر

شاهدت باهتمام ودهشة ومشاعر حزن عميق الفيلم الوثائقي والمتميز والجرئ الذي قام بتصويره فريق البي بي سي عن أحداث دارفور في مواقع الأحداث، وتم نقله في المنبر الحر بسودانيز أونلاين بواسطة أحمد أمين. الفيلم الوثيقة بذل فيه كثير من الجهد المهني وهو اٍضافة الى قيمته الاٍعلامية والوثائقية يكشف ويعري زيف و كذب حكومة الاٍنقاذ وتعتيمها للحقائق عما يحدث في دارفور وتفسيرها الملتوي للوقائع. اٍضافة على انه يمثل أساساً قوياً لقاعدة دليلية للاٍجابة على التساؤل الذي ظل معلقاً في أفواهنا لفترة طويلة من الوقت وثار حوله كثيرا من الجدل. السؤال هو هل ما يحدث في دارفور هو اٍبادة عرقية (جونسايد) وفقاً لمفاهيم القانون الدولي أم شئ آخر؟

الفيلم يوضح أن ما يحدث في دارفور الآن هو مأساة اٍنسانية فوق التصور وأن التعبير السياسي الدولي لوصف ما يحدث هناك (أسوأ كارثة في العصر الحالي) رغم صدقه لا يجسد كل الحقيقة بل بعض منها. حكومة الاٍنقاذ في الخرطوم دأبت ومنذ بداية الأحداث وتفاقمها بانكار وجود حرب شاملة في تلك البقعة من الوطن ناهيك عن حرب عرقية تدور رحاها ، كما ظلت تكرر أن لا علاقة لها بماليشيات الجنجويد العربية التي تقوم باٍبادة القبائل الأفريقية وتردد بلا حياء وبلا كلل أن ما يحدث هنالك تقوم به عصابات غرضها السلب والنهب!!

هيلري أندرسون قائد فريق البي بي سي من خلال حضورها القوي وحواراتها الواضحة مع الضحايا كشفت الاٍنتهاكات والفظائع التي تقوم بها ميليشيات الجنجويد والسلطة تجاه المواطنين الأفارقة وتهجيرهم بالقوة من أراضيهم للسيطرة عليها مستخدمين في ذلك كافة الوسائل لتحقيق تلك الأهداف بدءا من القتل ، اغتصاب النساء وانتهاءا بقتل الأطفال.

جاء على لسان "حواء" أحد ضحايا تلك الحرب البشعة بهيئتها (المهجومة) من هول الصدمة وهي تعبر عن مأساتها بحزن وأسى ( التف حولي خمسة منهم ، تجمدت من الخوف ، قاموا باغتصابي الواحد تلو الآخر ، لم أكن أستطع شيئا)

صورة تثير الفزع والحزن وتثير التساؤل الحائر كيف يمكن أن يحدث ذلك في دولة تدعي أنها اسلامية وبواسطة ماليشياتها المسلمين تجاه مسلمين آخرين في نفس الوطن؟! وهل يمكن أن يحدث ذلك في السودان الذي نعرفه؟!

 أما حكمة الأستاذة في مدرسة للأطفال والتي كانت تحضَر لبدأ حصتها عندما هاجم الجنجويد قريتها فتحكي عن تجربتها غير مصدقة ( سمعنا صوت طلقات رصاص. هرب الأطفال. مات اٍثنان منهم وهما يحاولان الهرب . أتوا اٍلى المدرسة وهم يطلقون الرصاص على الأطفال الهاربين ، قاموا باغتصابي والآخرين يوجهون سلاحهم نحوي. )

خاطرة و مريم ( اٍمرأة و طفلة )  لم يشفع لهما وجودهما في معسكر النزوح عند خروجهما لجلب الحطب للوقود بالقرب من المعسكر اعتدى عليهما ماليشيات الجنجويد و قاموا باغتصابهما. مريم تبلغ الثالثة عشرة من العمر.

في جزء آخر من الفيلم تدلي كليمة بشهادتها عندما قامت الماليشيات العربية بمهاجمة قريتها ( قتلوا زوجي . ثم أخذوا طفلي الصغير وألقوا بها في النار) طفلها وفق اٍفادتها يبلغ من العمر ثلاثة أعوام.

آدم و حكيمة يحكون عن اللغة التي تستخدمها الماليشيات العربية ( الجنجويد) والنظرة الدونية تجاههم . آدم ذكر أنهم أنهم يقولون ( أمسكوهم كلهم ، أقتلوا العبيد ) أما مريم فتذكر في نفس الاٍتجاه السابق عما كان يردده الجنجويد وهم يهاجمون قريتها ( الزنوج عبيد ، الزنوج أغبياء ، ألقوا القبض عليهم وخذوهم معكم ).

اٍن الاٍبادة العرقية وفقا لاٍتفاقية منع جريمة اٍبادة الجنس البشري والعقاب عليها هي ( أفعال القتل الجماعي والحاق الضرر الجسدي أو العقلي الجسيم لأفراد الجماعة أو اٍخضاع الجماعة عمداً لأحوال معينة يقصد بها اٍهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً أو فرط تدابير تستهدف منع الاٍنجاب داخل الجماعة أو نقل أطفال الجماعة عنوة اٍلى جماعة أخرى ، متى أرتكبت بقصد اٍهلاك جماعة قومية أو اثنية أو عرقية أو دينية بصفتها اٍهلاكاً كلياً أو جزئياً.

تجارب التاريخ تقول أن المعتدون يستخدمون كافة الأشكال والأساليب للحط من آدمية السكان ويتبع عادة ارتكاب جرائم الاٍغتصاب الفردي والجماعي بغرض بث الفزع ومحاولة تغيير سلالة المغتصبين . حكومة الاٍنقاذ وعلى لسان وزير خارجيتها في مقابلة تمت معه في ذلك الفيلم ظل ينفي في انفعال وهيستيريا و لهجة حادة وباٍسلوب يفتقر الى الدبلوماسية الفظائع التي تقع هناك رغم الأدلة الدامغة التي أوردتها سائلته !!

زعيم الجنجويد موسى هلال وفي مقابلة معه نفى كل الاٍنتهاكات التي تحدث هناك وذلك لم يكن مستغرباً منه رغم الاضطراب والتوتر الذي شاب حديثه.

كل الشهود على التاريخ في ذلك الفيلم يتفقون على رواية واحدة وهم يصفون الأحداث الجارية هنالك والأسلوب المتبع في تلك الحرب . ( تحيط ماليشيات الجنجويد بالقرية المقصودة ، تقوم طائرات الحكومة بقصف هذه القرية بالقنابل وعندما يحاول السكان الهروب من القرية لاٍنقاذ حياتهم ، يقوم الجنجويد بقتل الرجال والأطفال و اغتصاب النساء ).

مئات القرى تم تدميرها وحرقها وقتل ساكنيها. في قرية واحدة قتل ثمانين شخصاً . عشرات المقابر الجماعية على امتداد دارفور. فى اٍحدى اللقاءات التي تمت في المنطقة التي تقطنها قبيلة زعيم الجنجويد موسى هلال وجدت المراسلة أن كثيراً من المواطنين يرتدون الزي الذي ترتديه القوات المسلحة السودانية ويحملون بطاقات عسكرية صادرة من القوات المسلحة قاموا بعرضها على المراسلة التي أجرت المقابلة!!

اٍن الذي يجري في دارفور هو مأساة اٍنسانية حقيقية ووصمة في تاريخ التطور السياسي السوداني. في تقديري أن تعامل القوى السياسية السودانية مع مأساة دارفور لم يكن في مستوى الأحداث ولم يكن في مستوى الضرر الاٍنساني والخسائر التي لحقت بالقبائل الأفريقية من أهل تلك المنطقة.

 أن ما يحدث في دارفور سوف يؤثر بشكل مباشر على النسيج الاٍجتماعي الدارفوري وسوف تطال آثاره السالبة أرجاء كثيرة من الوطن . السودان بلد متعدد الأعراق والثقافات وكما تسكنه قبائل من أصل عربي تجد به قبائل أفريقية، وهي تتابع وتراقب ما يحدث في دارفور وردود الفعل في المجتمع تجاه ما يحدث هنالك. ما يحدث في دارفور هو صورة مكررة لما حدث في فترات سابقة في مواقع مختلفة من الوطن وذلك منذ فترة حكومة عبود العسكرية مروراً بحكومة نميري وانتهاءاً بحكومة عمر البشير. صور الفظائع التي تمت في الجنوب وجبال النوبة والأنقسنا لا زالت عالقة بذاكرة الجموع وهي للأسف الشديد أحداث تمت في مواجهة قبائل أفريقية لا زالت مرارة وقائعها عالقة في الأفواه . اٍن الأحداث الحالية تبرز الى السطح تساؤلات منطقية لا بد أن تسأل بشجاعة هل فعلا انتهت الممارسات العرقية في السودان أم اٍنها كامنة وموجودة وتعبر عن نفسها بأشكال متعددة في مراحل مختلفة؟ و هل انكارها وتغطيتها بكافة المبررات والأسباب يساعد على محاولة معالجتها؟ وهل التعامل مع تلك الظواهر باستخفاف وعدم اهتمام سوف يساعد مستقبلاً على وحدة الوطن ؟ و هل يمكن أن يقبل مواطنين أن يعيشوا في وطنهم باعتبارهم مواطنون من الدرجة الثانية؟ وأخيرا هل سيكون خيار الوحدة جاذباً لقوميات كثيرة؟

21 نوفمبر 2004