الإتفاق والرقابة العامة

عدنان زاهر

تشابك العلاقات الدولية ، تداخل المصالح والاٍهتمامات بين الدول فرض على أن تكون للاٍتفاقات الدولية دوراً مميزاً وفريداً باٍعتبارها الأداة الأساسية لتنظيم  وهندسة تلك العلاقات . هذا الوضع الاٍستثنائي جعل منها المؤثر المباشر أو غير المباشر لتشكيل حياة الشعوب ماضياً ، حاضراً ومستقبلا . ً

مما يزيد من أهمية الاٍتفاقات الدولية في عصرنا الحاضر الوجهة المتنامية من قبل الدول الكونية في اٍقامة التكتلات الاٍقليمية الضخمة أو التحالفات القارية بهدف الهيمنة على الساحة الدولية اٍقتصادياً وأمنياً ، ومن جهة أخرى توفير الحماية لنفسها من تغول الدول الأخرى ذات النزعات (القرشية).

هذه العلاقات المعقدة والمتشابكة والمتداخلة أفقياً ورأسياً ، تحدد بدقة متناهية في بنود تلك الاٍتفاقيات حفظاً ، صوناً وتوضيحاً للواجبات والحقوق . متوخية على ألا تكون هنالك تفسيرات مختلفة ومتضاربة لبنود الاٍتفاقيات يمكن أن تستغل من قبل الأطراف المتعاقدة . ثم أهم من ذلك كله تحرص الأطراف المتعاقدة على عرض بنود الاٍتفاقيات للرأي العام قبل وبعد التوقيع عليها وسريانها .

كل ذلك الحذر ، الحساسية ، والدقة التي تتعامل بها الدول تجاه الاٍتفاقيات الدولية الغرض منها الحرص على عدم ضياع الحقوف او التفريط فيها باعتبار أن الآثار المترتبة من هذه الاٍتفاقيات سلباً كانت أم اٍيجاباً تمس حياة المواطن ولكنها تمس في نفس الوقت وبشكل أكبر حقوق الأجيال القادمة التي لا يملك احداً المساس بها .

في تقديري أن هذه المقدمة ضرورية في محاولتي - وبشكل سريع ومختصر- تناول موضوع الاٍتفاقيات الدولية التي درجت السلطات الشمولية في السودان على عقدها مع الدول الأخرى مستصحبا تجربة الدولة الشمولية الحاضرة وهرولتها غير الوقورة في ( تشبيك وتوريط ) السودان في التزامات عقدية مع أطراف خارجية في غياب كامل وشامل للاٍرادة والرقابة الشعبية وكأن الوطن ضيعة تمتلكها .

في البداية أود أن أسوق ملاحظة جديرة بالاٍلتفات - ولا أقول جديرة بالدراسة - وهي أن كل الاٍتفاقيات التي تشتمل على بنود سرية وصفقات مريبة مشبوهة ( وصمة الفلاشا - نمودجا ) وانتهاكات بينة وتفريط واضح وانتقاص لحقوق الوطن والمواطن تمت في ظل السلطات الشمولية التي تعاقبت على حكم السودان ابتداءا من حكم عبود العسكري مروراً بحكم النميري الأسود وانتهاءا بالسلطة الحالية . ويبدو أن ذلك السلوك الهنجهي في التعاقد والرافض حتى للاٍستئناس - ولا أقول مشاركة - رأي الآخرين يتسق مع واقع وصول تلك الأنظمة سدة الحكم . كما يلاحظ أن ذلك السلوك ( المتعنطس ) تجاه الشعوب يقابله سلوك بائس ومختلف في العلاقات الدولية يتصف بالدونية و ( الدهنسة ) في العلاقات السياسية الخارجية . وبديهي أن لا يجرؤ حاكم أياً كان في توقيع اتفاق فيه انتقاص لحق الوطن في ظل الديمقراطية والرقابة الشعبية العامة .

تقول التجارب السياسية التاريخية ان منحى السلطة الشمولية في عقد الاٍتفاقيات التي تنتقص من حقوق شعوبها تهدف في المقام الأول الى مصالح تستفيد منها الفئة الحاكمة أو تهدف الى حماية الأنظمة لمحاصرة شعوبها ومنعها القدرة من التحرك لمقاومتها أو الاثنين معاً . كما لا بد من الاٍشارة في هذا السياق الى أن هنالك بعض الدول تستغل ضعف هذه الأنظمة وحوجتها الى المساندة والتعضيد للدخول معها في اٍتفاقيات توظف لمصلحتها مستفيدة من انعدام الرقابة العامة مما يمكن وصفه باطمئنان تام بالاٍنتهازية الاٍستغلالية والاٍحتيال .

المتابع لمسيرة السلطة الشمولية الحالية يلفت انتباهه تنوع واختلاف الاٍتفاقيات التي قامت بعقدها مع أطراف أخرى ، والتي لا يعرف عنها المواطن غير عناوينها العريضة في الصحف اليومية مثالاً لذلك اٍتفاقية البترول التي تتعلق بتطور وطننا والتي أكد أن بها بنود سرية منعت السلطة حتى من عرضها وكشفها للحركة الشعبية لتحرير السودان في محادثاتهم الحلزونية وهي التي تعول عليها في عقد سلام دائم للحرب الدائرة رحاها منذ اعوام طويلة ومحاولاتها الدوؤبة في الدخول معها في حلف سياسي مزعوم يطيل من سنوات حكمها . لكن أيضاً ما يلفت الانتباه حقاً ويثير الدهشة في الآونة الأخيرة ، كمية وتنوع وسرعة التوقيع على اٍتفاقيات بين السودان ودول أخرى تعطي المراقب ذلك الاٍحساس بأن السودان يعرض ويطرح في مزاد علني ولا ( وجيع له ) . ونورد على سبيل المثال وليس الحصر بعض النماذج ، اتفاقية حلف اليمن أثيوبيا السودان ، ترتيبات أمنية وسرية مع الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة (الاٍرهاب!!) ، اتفاقيات أمنية مع يوغندا ، اتفاقيات أمنية مع تشاد وأخيراً وليس آخراً عشرات الاٍتفاقيات التجارية والاٍقتصادية والمالية المتشابكة والمتقاطعة .

كل تلك الاٍتفاقيات والترتيبات لا يعلم عنها الشعب السوداني شيئا ولكن مظاهرها تشي بانتهاك وانتقاص السيادة السودانية واٍلا فكيف لنا أن نفسر تجول المخابرات الأمريكية في شوارع الخرطوم بل وممارستها في بعض الأحيان لوظيفة التقصي والتحري ؟!!

كيف نفسر تجول القوات اليوغندية في تخوم السودان الجنوبي تحت حماية السلطة وموافقتها ؟!!

كيف توقع عشرات الاٍتفاقيات الاٍقتصادية والتجارية دون علم ومشاركة القوى الشعبية ورأي الخبراء السودانيين المشهود لهم بالنزاهة ؟!! وأين الضمان بأن هذه الاٍتفاقيات لا تنتقص من مصالح مواطنينا بل تتعدى ذلك للاٍضرار بمصالح الأجيال القادمة ؟!!

ثم كيف نفسر زج السودان والغوص به في متاهات أحلاف عسكرية مجهولة الهوية تتعارض وأمنه الحقيقي ؟!! لا سيما وقد أصبحت هناك معلومة شبه بديهية يعرفها كل العامة أن لا حماية أضمن لوطننا سوى علاقة حسن الجوار مع وطن تجاور حدوده ثمانية دول أفريقية أخرى ؟!!

ان كل الأحداث والوقائع في تسلسلها التاريخي والآني تجعل بعض الأسئلة تفرض نفسها على المتابع خاصة المواطن السوداني وهو يعلم - على الأقل في الوقت الراهن - صعوبة منع السلطة من عقد مثل تلك الاٍتفاقيات . تلك الأسئلة الملحاحة يمكن تلخيصها في الآتي :

1/ما مدى اٍلزامية تلك الاٍتفاقيات الجائرة التي تعقدها السلطة الشمولية للأجيال القادمة ؟

2/ وهل هنالك طرق لتعديل تلك الاٍتفاقيات أو الغاءها ؟

3/ وماهي تلك الطرق ؟

هي بالتأكيد أسئلة صعبة ومعقدة ولكنها مشروعة ، وهي أسئلة يستحيل الاٍجابة عليها في مثل هذا المقال لأسباب عدة أهمهااستحالة الاٍجابة على هذه الأسئلة بشكل كلي باعتبار اٍن الاٍجابة في مجملها تستند على جوابب قانونية لا تتوفر اٍلا بعد الاٍطلاع على تلك الاتفاقيات ، وثانيا هو ضرورة الاٍستناد على الرأي الجماعي وهذا لا يتوفر اٍلا في ظروف الديمقراطية .

رغماً عن ذلك يظل هنالك جواباً واحداً ومؤكداً وهو حق الشعب في اٍلغاء ومراجعة كل الاٍتفاقيات التي تتعارض ومصالح الوطن . وذلك يشمل كل الاٍتفاقيات التي وقعت في ظل السلطات الشمولية ابتداءا من حكم عبود العسكري وحتى عصرنا الحالي .

اٍن الشعب السوداني لا يمكن أن يظل مكبلاً بأغلال اٍتفاقيات جائرة لسلطات بائدة ومندثرة كما يجب أن تعرف تلك الدول التي تستغل ضعف الأنظمة الشمولية وغياب الديمقراطية لتوقيع اٍتفاقيات بها انتقاص لحق الوطن ، أن تلك الاٍتفاقيات غير ملزمة للشعب السوداني كما أن لا تقادم مكسب للشرعية والاٍستدامة .

أن من حق الأجيال القادمة أت تعيش زمانها باطمئنان وبلا قيود تكبل يديها وأقدامها ، زمن تقرر فيه مصيرها بحرية واقتدار ، زمن نتصور أن يكون أكثر وسامة من هذا الزمن . زمن تسوده الديمقراطية والحق الاٍبتدائي الاٍنساني بأن يجهر المواطن بما يظن أنه الحق .

20 نوفمبر 2003