الاٍحتفاء بالوطن

عدنان زاهر

 في ندوة أقيمت اٍحتفالا بعيد المرأة العالمي بمدينة تورنتو– كندا وكانت بعنوان "ثقافة السلام"، وقفت فتاة في حوالي التاسعة عشر من عمرها. بدأت حديثها بلغة عربية متعثرة وعندما أحست أنها عاجزة عن توصيل أفكارها أكملت بلغة اٍنجليزية منسابة وسلسة. قالت أنها التحقت بالجامعة السنة الأولى هذا العام، وهي من أسرة سودانية ممتدة تسكن العاصمة. لكنها لم ترى السودان بأم عينيها. ثم أضافت بصوت يسكنه حزن عميق ودموع متماسكة في أطراف عينيها أنها تعشق السودان بكل جوانحها وتود وتتمنى العودة والعيش في ذلك البلد، ولكن من خلال متابعتها اللحوحة لأخبار السوادن لم ترى ولم تسمع غير أخبار الحروب والموت والجوع والمرض. ثم تساءلت بعفوية هل هنالك شئ تفخر به عن ذلك الوطن يمكن أن تقوله لزميلاتها في الجامعة الذين ينتمون اٍلى بلدان متعددة؟!!

وقع السؤال البسيط والمعقد على رؤوس الجمع "كجردل" من الماء المثلج. تبارى البعض في الرد على السؤال كل حسب رؤاه السياسية وتجاربه في الحياة. في نهاية الندوة لم تعقب الفتاة على ردودهم، لكن نظرتها المحايدة كانت تشي بعدم الاٍقتناع والحيرة.

وأنا أتابع أخبار السودان من خلال شاشة الكمبيوتر تراءى أمام ناظري وجه تلك الفتاة، وهاكم ما قرأت خلال ساعتين.

·  مرض الاٍلتهاب السحائي "أبوفرار" يضرب أجزاء واسعة من أرض الوطن وأعداد المصابين في تزايد مستمر مع ارتفاع عدد الوفيات. بعض الولايات تقول بأنها ستقوم باٍغلاق المدارس وتنفيذ بعض الاٍجراءات لمحاصرة المرض.

مرض السحائي من الأمراض المستوطنة في السودان وظهوره في أيام الصيف الملتهب ليس مفاجأة لأحد. وهنالك اٍرث ثر وتجربة ومعرفة متراكمة ودراسات متعددة في كيفية مكافحة المرض والقضاء عليه. ودرجت العادة منذ سنوات طوال الاٍستعداد لذلك المرض في مواسمه المختلفة. الاٍجراءات شبه محفوظة في الذاكرة من كثرة تكرارها. وهي تتمثل في الآتي:  منع التجمعات العامة، ضبط أعداد الذين يرتادون الملاهي كالسينما و دور الرياضة، تحديد عدد الركاب في المركبات العامة، رش الشوارع العامة بالمياه لتفادي آثار الغبار، توفير الأمصال والتوعية المستدامة في وسائل الاٍعلام عن كيفية تجنب الاٍصابة. الميزانية التي يمكن بها تنفيذ هذه الاٍجراءات تقل كثيرا عن ميزانية حفلة من الاٍحتفالات الزائفة التي تقيمها السلطة.

·  مرض الكوليرا يظهر في العاصمة والسلطات المختصة تتكتم عليه، والوزير المسئول يتحدث عن "اسهالات مائية" يمكن السيطرة عليها. مرض الكوليرا ظهر في جنوب السودان قبل عدة أشهر ومات عدد كبير من المواطنين من جراءه حتى تمت السيطرة عليه. وجاء في الأخبار عن منظمة الصحة العالمية ومنظمات أخرى تعمل في مجال تحسين الصحة والبيئة أن مرض الكوليرا يواصل اٍنتشاره في أفريقيا ويتوقع أن يظهر في يوغندا، كينيا، تشاد، وتلك دول حدودها متاخمة للسودان، وتدعو الدول المعنية بالاٍستنفار والاٍستعداد لذلك المرض الذي يمكن أن يشكل وباء بهذه القارة ذات الاٍمكانيات الضعيفة والمحدودة. كل ذلك الصياح العالمي وحكومة السودان "سادة دي بطينة والأخرى بعجينة" كما يقول المثل و"الاٍسهالات المائية" تتمدد.

· اٍنفلونزا الطيور تحدثت عنها الأجهزة المتخصصة في العالم كثيرا باٍعتبارها أحد الأمراض التي يمكن أن تهدد حياة أعداد هائلة من البشرية كالطاعون والاٍيدز. ما يميز ذلك المرض من غيره من الأمراض الأخرى هي سهولة اٍنتقاله عبر الحدود مع الطيور المتنقلة بين ضفتي العالم. بعد ذلك تم تكوين شبكة للمعلومات بين دول العالم وكان عند موت "دجاجة" في  بلد ما تتناقل الخبر وسائل الاٍعلام المختلفة ويحظر ذلك القطر. ثم وصل المرض الجارة مصر وضرب أريافها وكان ذلك اٍنذارا مبكرا لاٍمكانية اٍنتقاله للسودان، وحكومة الاٍنقاذ تدعي أنها تسيطر على الموقف و قد قامت بتوفير كل ما يمكن به محاربة المرض اللعين.

ثم انفجر المرض  ليدلي مدير الاٍدارة العامة للثروة الحيوانية بولاية الخرطوم الدكتور تاج الدين عثمان لوسائل الاٍعلام أنه قد تمت اٍبادة 157 مزرعة موبوءة بالمرض وأن أعداد الدواجن التي أبيدت قد بلغ 1,600,000 وأن عدد المتضررين يشكل 90% من المنتجين في البلاد. ثم يعلن لاحقا والي الجزيرة بظهور المرض في ولايته وأنه قد تمت اٍبادة ثلاث مزارع. بعد يوم واحد من هذا الخبر وبالتحديد يوم 28/أبريل/2006 يختتم المتعافي والي الخرطوم ذلك التهريج الحكومي باٍعلانه دعوة اٍلى أعضاء ولايته لتناول وجبة من الدجاج في مجمع "الاسكلا" على ضفاف النيل وسيكون الحفل منقولا على الهواء ليطمئن الشعب السوداني أن المرض قد تم القضاء عليه وأن الشعب السوداني يمكنه أن يستمتع بأكل الدجاج "المقمر والمحمر" دون أضرار تذكر، " ٍاذا أعدت بالطريقة الصحيحة لن تؤدي اٍلى الاٍصابة بالمرض."

بالله هل هنالك سفه واستهتار في حق المواطن والوطن أكثر من ذلك؟!

من حسن حظ الشعب السوداني ولضيق ذات اليد في زمن الاٍنقاذ فأنه لا يستطيع أكل الدجاج وينصب جل اهتمامه في توفير صحن "البامية" فليهنأ المتعافي وبطانته بأكل الدجاج "الصحي" وملحقاته!

اٍنتقلت اٍلى موقع آخر لأقرأ الآتي:

·  قوات الأمن تتصدى لمظاهرة سلمية في "آمرى" بشمال السودان قام بها المواطنين احتجاجا على ترحيلهم بغرض اٍقامة خزان وقتل ثلاث أشخاص وجرح آخرين. ولا زالت قوات الأمن تجوب شوارع الدينة الصغيرة!

·  مجلس الأمن يقرر معاقبة خمس من المسئولين السودانيين وذلك لتورطهم بارتكاب جرائم حرب و اٍبادة وعرقلة جهود السلام وهم جزء من قائمة تشمل 51 مسئولا.

·  المحادثات في أبوجا لا تبارح مكانها.

·  هنالك صعوبات تواجه تنفيذ اتفاق السلام بين حكومة الاٍنقاذ والحركة الشعبية ومن ثم الحديث عن خلافات داخل الحركة.

عند اٍنتهائي من قراءة الأخبار كان وجه الفتاة لا زال ماثلا أمامي، بحركة عفوية ضربت على مفاتيح "الكي بورد" مرسلا لها رسالة  اٍلكترونية تتكون من سطرين "اٍبنتي العزيزة، يمكن تناول السودان الماضى أو السودان المستقبل الآتي، لكن هنالك صعوبة حقيقية في الاٍحتفاء بالوطن في ظل الاٍنقاذ."

1 مايو 2006