ذكرى الاٍستقلال ومآثر دينكا علياب

عدنان زاهر

تميز ذكرى اٍستقلال بلادنا ال (49) سمتان متناقضتان – وفي أحسن الأحوال متنافرتان – السمة الأولى: دمار وتشويه شمل كل جوانب الحياة المادية والروحية داخل الوطن. وتوتر وتململ في أطرافه المهمشة ، وحرب طاحنة ومستبدة تقوم بها السلطة وماليشياتها في دارفور أودت بحياة أكثر من سبعين ألف مواطن في فترة تزيد عن العام قليلا، اهتز لها وجدان العالم ولا تضاهيها في تداعياتها ونتائجها اٍلا تداعيات الكوارث الطبيعية المدمرة (زلزال ، بركان ...الخ). السمة الثانية: أمل يدغدغ النفوس وسراج خافت يلوح في أفق السياسة السودانية الكابية بتوقيع اٍتفاق نهائي بين الحكومة والحركة الشعبية يضع حداً لحرب استمرت أكثر من أربعة قرون. وأيضا اٍمكانية توقيع اٍتفاق بين بين الحكومة وحركتي دارفور والمعارضة الشمالية في أبوجا والقاهرة  يمهد لحل سلمي ديمقراطي ويحول بين عنف مستتر يكتنف أفق التطور السياسي وبوادر تفتت يمكن أن تصيب الخرطة السودانية بالتآكل والاٍنكماش المذهل.

في ظل هذه الظروف المتباينة والمعقدة صعبة التكهن والاٍستقراء، نقدم نموذجاً من نماذج النضال ضد المستعمر لاٍبراز الجهد والتضحية التي بذلت من جنود مجهولين داخل الوطن في مناهضة المستعمر وللذود عن وطن حر ومستقل يدعى السودان.

درجت العادة في مثل هذه المناسبات أن يستلهم الكتاب نماذجهم البطولية لشخصيات من الشمال والوسط ، متجاهلين اٍهمالا أو استخفافا نماذج للتضحية بذلت من أجل السودان في أروقة الوطن المختلفة. في تقديري أن تلك الاٍنتقائية في كتابة التاريخ تجسد عقلية التعالي الثقافي والعرقي تجاه قوميات أخرى وضعت بصماتها في مسيرة اٍجلاء المستعمر وهي محاولات لاٍقصائها من ذلك الشرف أو تهميش دورها ، أو كما يقول دكتور منصور خالد في سفره القيم ( السودان – أهوال الحرب – وطموحات السلام – قصة بلدين ) واصفا لهم ( لم يروا في تلك المقاومة اٍلا عناداً بدائياً ضد التحضر) .

في محاولة متواضعة ضمن محاولات أخرى متفرقة قام بها أشخاص آخرين ولاٍزالة ذلك الغبن والاٍهمال الذي لحق بأولئك الأبطال وفي سبيل اٍنصافهم ، وكسراً لاٍحتكار  التاريخ في قلة من الناس ، ونحو سودان جديد نصبو اليه تتساوى فيه القامات وتتخذ المواطنة معيارا للتقييم نستعرض موقفا من مواقف البطولة والشجاعة ضد المستعمر قامت به قبيلة صغيرة تدعى دينكا علياب.

قبيلة الدينكا علياب هي أحد فروع الدينكا وكما هو معروف فقبيلة الدينكا تعد من أكبر القبائل الأفريقية مثل ( الهوسا في نيجيريا والزولو في جنوب أفريقيا ). يقال أن قبيلة العلياب لم تخضع لحكم أجنبي منذ القدم وحتى عام 1920.

في عام 1916 فكرت حكومة المستعمر في بسط سيطرتها على تلك المنطقة التي تقطنها  قبيلة الدينكا علياب (مديرية منقلا في ذلك الوقت) واخضاعها اٍسوة بباقي القبائل وادخالها تحت الحكم الاٍداري للمستعمر. وتحقيقاً لذلك الغرض ، فقد فتحت مركزاً هنالك عينت عليه ضابطاً اٍنجليزياً كمفتش يدعى اٍسبنكس. كانت سياسة الاٍمبراطورية البريطانية في مستعمراتها تتمثل في اٍذلال المواطنين ، اضطهادهم وتخويفهم ومن ثم تدجينهم لمنعهم من أي محاولة لمقاومته. وتنفيذا لتلك السياسة (المجربة) والتي درج عليها المستعمر أمر المفتش سبنكس عند حضوره اٍلى المنطقة ، كل زعماء قبيلة العلياب بالحضور اٍلى مكتبه يومياً والجلوس أمامه حتى اٍنتهاء ساعة العمل. كان ذلك عملاً مذلاً ومهيناً لقوم عاشوا أحراراً لا يستوعبون ولا يقبلون التقول عليهم من أي جهة كانت. زعيم تلك القبيلة ويدعى (النوج) كان شامخاً رفض باٍباء تنفيذ ذلك الأمر المستفز والجائر. بعد الحاح ورسائل ومحاولات عدة من  مفتش المركز للنوج يدعوه للحضور اٍليه ، قرر ذلك الزعيم الاٍستجابة لتلك الطلبات والذهاب للمركز لمناقشة الأمر مع المفتش. حضر النوج اٍلى مركز السلطة يحيط به عدد كبير من أبنائه وزعماء تلك القبيلة . وبعنجهية يتصف بها المستعمر الاٍنجليزي وصلف وغلظة قام المفتش بتوبيخ النوج واٍهانته أمام ذلك الجمع ومن ثم أمر بجلده خمسة عشرة سوطاً (بالكرباج). كان ذلك الفعل فوق تصور تلك القبيلة المهابة. غادر النوج المركز واعتكف بقريته رغم الاٍستدعاءات المتكررة والتهديد المستمر من المفتش له بالحضور اٍلى المركز وتقديم فروض الطاعة والولاء. في جولة اٍدارية قام بها المفتش قرر زيارة النوج في قريته لمساءلته ولاٍبراز سطوته وتوطيدها. يذكر التاريخ أن زعيم النوج اٍستقبل المفتش اٍستقبالا يليق بالعظماء وبالغ في الحفاوة به ، ولكن كل ذلك كان كميناً محكماً . بعد ساعات من بدء ذلك الاٍحتفال قام النوج بالقبض على سبنكس وأفراد قوته ثم أمر باٍحضاره اٍليه وهو يجلس في محكمته وحوله زعماء القبيلة وأمر بجلد المفتش خمسة عشرة سوطاً كما فعل به.

تلك الحادثة كانت تعني تمرداً على السلطة والتقليل من هيبتها والاٍستهانة بها وخوفاً من أن تحذو القبائل في تلك المنطقة حذو الدينكا علياب قررت الاٍدارة البريطانية أن تقمع ذلك التحرك في مهده. قام مدير المديرية آنذاك وكان يدعى (أوين) على رأس جيش كبير لتأديب تلك القبيلة (المتمردة) وزعيمها. لم يهرب الزعيم النوج عند حضور ذلك الجيش كما كان يتوقع المدير الاٍنجليزي، بل اٍستقبله هو وقبيلته خارج قريتهم وهم مدججون بالسلاح ويحملون علماً أبيض دعوة للتفاوض. عند مقابلة مدير المركز للزعيم النوج حكى له المظالم التي تعرضت لها القبيلة على يد المفتش الاٍنجليزي والتي دفعتها لذلك الموقف. كان مدير المديرية وحكومته يعرفون تاريخ تلك المنطقة ولم يكونوا راغبين في ذلك الوقت في الدخول في مواجهة معها. لذا اكتفى المدير بتغريمه خمسة عشرة ثوراً لاٍهانته موظفاً بريطانياً. كان القصد من ذلك الحكم هو تثبيت معلومة في أذهان أولئك القوم اٍن الحكومة البريطانية هي السلطة العليا في تلك المناطق.

تلك الأحداث كانت البداية فقط فبعد فترة وجيزة عينت السلطة مأموراً آخراً لمركز العلياب (بطومي) خلفاً للمفتش سبنكس . ومحاولة لبسط سيطرتها وهيمنتها وكما دأبت على نهب ثورة المستعمرين ، صدرت أوامر للمأمور الجديد بتحصيل الضرائب من قبيلة الدينكا علياب. لم يكن لدي القبيلة نقوداً لتدفعها وكان البديل المتاح هو البقر مصدر قوة القبيلة وعزتها. كانت أفراد تلك القبيلة يرفضون مبدأ سيطرة اٍدارة أجنبية عليهم ناهيك عن أن تؤخذ أبقارهم ،  فرفضوا تنفيذ الأمر. ذلك الرفض دفع المأمور للاٍستيلاء على أبقارهم بقوة السلاح. بعد أسبوع واحد من اٍستيلاء السلطة على أبقار القبيلة بالقوة وبالتحديد في صباح يوم باكر هاجمت قبيلة دينكا علياب مركز السلطة (بطومي) . أحاطت به من كل جانب ، وفي خلال ساعة قتل كل من كان بالمركز وعددهم عشرين جندياً واستطاع المأمور الاٍفلات والهروب. اٍستردت القبيلة أبقارها وقامت بتدمير المركز الذي أصبح أطلالاً وشاهداً على موقف بطولي قام به سودانيون في مواجهة المستعمر الاٍنجليزي وهو في أوج صلفه وغروره وجبروته.

1/1/2005

________

مراجع:

1) المعلومات والوقائع الواردة في هذا المقال أخذت بتصرف من مقال قام بكتابته والدي البكباشي (في ذلك الوقت) زاهر سرور الساداتي بعنوان (دينكا علياب والكرباج) يمجد ويشيد بشجاعة تلك القبيلة ونشر في عام 1954 بمجلة مصر والسودان التي كانت تنشرها رئاسة القوات المصرية بالسودان. تم اٍعادة نشر هذا المقال بجريدة الخرطوم التي كانت تصدر من القاهرة بتاريخ 14/نوفمبر/2000 بواسطة الكاتب الباحث عبدالرحمن عوض بعنوان ( تاريخ أهمله التاريخ).

2) دكتور منصور خالد (أهوال الحرب – طموحات السلام – قصة بلدين ) - دار تراث 2003.