حكم ... امتداد لمواقف القضاء السودانى!
عدنان زاهر
حكم قضائى صدر قبل بضعة ايام من محكمة الاستئناف بالخرطوم ، و بالرغم من أهميته الاستثنائية فى الظروف التى يمر بها السودان، الا أن الحكم لم ينال حظه فى الصحف بل يمكننا القول بانه قد قوبل بتجاهل تام. القرار صدر فى حق مواطن كان يقوم بتوزيع منشور أصدره الحزب الشيوعى السودانى حول قرار اتخذه وزير المالية بشأن السكة حديد. لست هنا بصدد مناقشة مضمون المنشور، فهذا ليس غرض المقال و لا أحد اهدافه. مناقشتنا للحكم يستند على أهمية الحكم بالنسبة لقضايا الحريات الديمقراطية، و حق الاحزاب فى التعبير عن رأيها فى كل مايخص قضايا الوطن. بهذا الطرح، و بهذا المفهوم فالحكم يهم كل الاحزاب فى المقام الاول و من ثم الافراد الذين تهمهم ممارسة الديمقراطية و سيادة حكم القانون.
قرارمحكمة الاستئناف الغى حكم المحكمة الجنائية القاضى بغرامة المحكوم عليه 2000 جنيه و بالعدم شهرين سجن لتوزيعه منشور يحرض و يدعو لاستخدام القوة الجنائية وفقا للمواد 25-63 من القانون الجنائى لسنة 1991 .
وفقا لرأى فالقرار الصادرمن محكمة الاستئناف شجاع ، بذل فيه جهدا و جاء بحيثيات واضحة و قوية، و كما قلت سابقا لاهمية الحكم سأورد منه مقتطفات كاملة و انا اقوم بمناقشته.
أولا: الحكم يؤكد على حرية الاحزاب و النقابات فى وضع برامجها و الدعوة لها بكل ماهو متاح فى القانون
( الدستور الانتقالى بناء على نص المادة " 40 "التى اعطت الاحزاب و النقابات الحريات بوضع برامجها التى لا تتعارض و الدستور المنشور بأحد طرق التعبير الذى نصت عليه المادة" 29/1 " من الدستور الانتقالى لسنة 2005 )
ثانيا: الحكم يشير بوضوح ان التعبير بالمنشور هو حق كفله القانون
( المنشور فى هذه الجزئية لا يعد عنفا او استعمال لقوة جنائية انما هو حق قانونى و دستورى)
ثالثا: الحكم أكد حق العاملين و النقابات فى الاضراب
( الاضراب يعد من الحقوق المشروعة للعاملين للتعبير عن حقوقهم و مطالبهم و ان السودان كان ضمن الدول التى وقعت على الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و التعليمية الصادرة من الامم المتحدة فى 16/12/1966 و التى نصت المادة 8/د منها على حق الاضراب )
( الدستورالانتقالى لسنة 2005 فى مادته 27/3 الذى أمن على هذه الاتفاقية و جعلها جزء من هذه الوثيقة. جاء فحوى هذه المادة " تعتبر كل الحقوق و الحريات المضمنة فى الاتفاقيات و العهود و المواثيق الدولية لحقوق الانسان و المصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزاء لا يتجزأ من هذه الوثيقة)
( الاضراب ما هو الا وسيلة للتعبير عن مطالب او دفاع عن مصالح مهنية و ليس فى ذاته نوعا من انواع الضغط او القوة الجنائية)
الحكم مهم و حاسم لانه صدر فى وقت تستخدم فيه السلطة كل أجهزة قمعها ، و كل الوسائل لمحاولة قهر و قمع الآخرين وتحجيم الراى المعارض لسياستها. هل نحن فى حاجة لان نقول ، انها تصادر الصحف دون سند فى القانون و تقوم بحرقها كما تفعل النازية، تمنع الاحزاب المعارضة من اقامة الندوات الا بموافقتها ووفقا لشروطها، تعتدى على دور الاحزاب كما فعلت مع شريكها فى السلطة- الحركة الشعبية - و مصادرة وثائقها، فبركة الانقلابات و اتهام الآخرين بالقيام بها و اعتقالهم دون تقديمهم للمحاكمة كما هو حادث اليوم أمام أعين العالم، مع مبارك الفاضل ، على محمود حسنين و آخرين.
بالطبع الحكم ليس نهائى و امكانية الطعن فيه امام المحكمة العليا متاح ، وحتى صدور قرار مناقض له واردة و لكن مع كل ذلك يظل القرار مضيئا لانه:
• أكد على الحريات التى نص عليها الدستور و القوانين الدولية.
• ثبت أن القوانين الدولية الانسانية مكملة للقانون الوطنى.
• القرار انتصار لسيادة حكم القانون.
•القرار يبشر بانه مهما كانت درجة القهر و الحجر على الآخرين فهنالك من يتصدون له بالمواجهة و الكشف و التعرية.
• و أخيرا فان القرار يعتبر امتداد لمواقف القضاء الناصعة تاريخيا، و يعكس فشل السطة – رغم كل ممارساتها من فصل و تشريد- فى تدجين و تسييس كل الافراد لمصلحة نظامها.
1 اكتوبر 2007