عدالة الطغاة!

عدنان زاهر

القوانين تسن لضبط و تنظيم المجتمع، حماية الحقوق و الحريات العامة و منع تغول السلطات المتنفذه من استغلال القانون و الموقع المميز. القوانين بالضرورة يجب  ان تتوافق و الدستور، كما يجب ان لا تتعارض و القانون الدولى الذى اتفقت عليه الدول باعتباره الضمان الوحيد لاستقرار السلم و الأمن الاجتماعى. هذا الشكل لضبط المجتمع توصلت اليه الانسانية بعد تجارب و صراع طويل و مرير ضد الطغاة، الذين ظلوا على الدوام يعتبرون أنفسهم فوق القانون و ان القانون سن فقط للجم الرعاع. تجارب التاريخ تقول أيضا أن الطغاة يعتقدون أن العمل خارج الأطر القانونية و تطبيق ما يرونه صحيحا ، حق يكفله لهم وضعهم الوظيفى و قدراتهم المتفردة. فى اعتقادى أن هذا المدخل ضرورى للقراءة الباطنية للتحقيق الصحفى الذى أجراه الصحفى ضياءالدين بلال مع مدير الادارة العامة للمباحث اللواء عابدين الطاهر، و نشر فى صحيفة الراى العام و سودانايل بتاريخ 13-9-2007 . أهمية المقال تنبع من انه تم مع احد قيادات الامن السودانى، وهو بالتالى يعكس العقلية التى يفكر بها النظام امنيا. بالاضافة الى هذا فالمقال قد لمس نقاط تتعلق بالحريات العامة للمواطنين، و كيفية التعامل معها من قبل أجهزة الشرطة. سأورد الجزء المتعلق بحريات المواطنين كما ورد فى التحقيق دون تجزئة، و من ثم التعليق عليه،  و هو كما يلى:

سأل المحاور: هنالك حديث عن اعتقالات تتم ( للزوجات و الامهات) و غيرهن للضغط على المشتبه بهم؟

اجاب اللواء الطاهر مدير الادارة العامة للمباحث (من خلال البحث فى القضايا الحساسة التى تقدم الينا، نحرص على تأمين ظهورنا مثلا اذا اعتقلنا (س) و ذهبنا الى بيته ووجدنا (15) شخصا و لم نجد (زيد و عبيد) سنقوم باعتقال ال(15 ) و نتحفظ عليهم لحين القبض على (زيدو عبيد) . و هؤلاء ليسوا مشتبه بهم لكن احتجازهم فى مصلحة التحرى)

-المحاور: لكنكم تعتقلون أهل المشتبه بهم للضغط؟

اللواء الطاهر( ياخى نحن سودانيين و من أسر سودانيه عندنا امهات و عندنا اخوات ولابسين الكاكى للتمييز بيننا و بقية المواطنين باعتبارنا شرطة، و لكن نحن فئة من فئات الشعب و عندنا وقتنا الخاص البنقضيه مع أسرنا ما نعرف الصاح من الخطأ. فاصلا لا يمكن ان نستخدم مثل هذه الاساليب. و من يستخدمها من الشرطة شخص مرفوض و يحاسب، و عندما يقبض فيهم ام و زوجة متهم يكون فقط للتحفظ لفترة، لكن لا نستخدمهم لاهانتهم بل  حريصين جدا أن نخلى سبيلهم فى اسرع وقت. بل لو تطلب الأمر أن نعمل على تسريع اجراءتنا حتى لو استدعى الامر العمل (24) ساعة و (48) ساعة متواصلة عشان ديل ما يقعدوا يوم او يومين).

انتهى الحوار

ابتداءا نقول ان تجاوز القانون و الاعتداء عليه بشكل منهجى و منظم بدأ ابان نظام نميرى ، ذلك النظام الذى يمكن أن يؤرخ به بداية لكل مساؤى و أمراض السياسة السودانية، كما يمكن أن يؤرخ به لانتهاك استقلال القضاء و سيادة حكم القانون .لكن المراقب لحركة السياسة داخل الوطن يصل الى قناعة ، و هى ان  أعلى مراحل الاستهانة بالقانون ، استغلاله و تجاوزه تم فى هذا العهد. يتجسد ذلك فى القوانين المتعارضة مع الدستور و القانون الدولى، الاعتداء على الحريات العامة، الاعتقالات الجزافية، الفصل التعسفى و الاحالة الى الصالح العام، التعدى على حرية التعبير باغلاق الصحف دون تبرير او مسوغ قانونى.......الخ توجت كل تلك التجاوزات بعنف الشرطة المنفلت. تمثل ذلك فى استخدام القوة المفرطة دون الحاجة اليها و يمكن ايراد امثلة متعددة على ذلك ، احداث بورتسودان، احداث نيالا، احداث كجبار، أحداث المهندسين، الاعتداء على تظاهرة المفصولين تعسفيا و بينهم شيوخ و نساء .......و القائمة تطول و لا تنتهى.أصبح هنالك بعض الهمس الذى أضحى عاليا، عن التجاوزات التى تتم مع المتهمين جنائيا، انتزاع الاعترفات بالقوة و الطعن فى اجراءت الشرطة فى قضايا متعددة لا زالت امام المحاكم.

أعتقد أن  لا حاجة للقول لولا تلك الاحداث لما تم اللقاء الصحفى أصلا و لا قبل مدير المباحث مبدأ الحوار معه.نأتى بعد ذلك الى حديث مدير ادارة المباحث الذى يعترف فيه اعترافا صريحا لا لبس فيه و لا غموض بالقبض على المواطنين خارج نطاق القانون او كما اصطلح على تسميته لدى البعض  " اسلوب الرهائن ". ذلك الاسلوب، يعنى  القبض على مواطن برئ تربطه صلة وثيقة ( اب، والدة، زوجة، ابن ) بمتهم هارب و ذلك لاجباره للحضور وتسليم نفسه  للشرطة، ذلك اسلوب  يتبع فى الدول ذات الانظمة الفاشستية و قد برع رجال الأمن  النازى فى استخدامه.

لتوضيح الصورة اكثر للقارئ نورد الأتى:اولا

 • 1- قانون الاجراءت الجنائى ينص على القبض فى ثلاث حالات أ- عند ارتكاب جريمة نص عليها القانون ب- عند عدم تنفيذ امر  صادر من سلطة قضائية او اخلال بتعهد او ضمانة ج- اذا الغى امر الافراج عن متهم من جانب السلطة القضائية لأى سبب من الاسباب

2-: يجب ان يكون امر القبض صادر من جهة قضائية و أن يضمن أمر القبض التهمة المحددة و اسم الشخص المراد القبض عليه.

3-: لا يوجد فى القانون ما يسمى بالقبض التحفظى او مايسمى " حماية الظهر"

4-: لا يجوز ابقاء مواطن فى الحجز بعد مضى 24 ساعة الا بموافقة السلطات القضائية.

5-: البينة المستمدة من قبض مخالف للقانون مجال للشك و الطعن فى مصداقيتهاو صحتها.

6-الشرطة يجوز لها القبض دون امرعند وقوع جريمة امامها و قد أحاط القانون هذا القبض بكثير من الضوابط خوفا من التجوزات التى يمكن أن تحدث.

•  ثانيا: أن الحديث عن الاخلاق و الضمير و حسن النية كمعيار شخصى للتعامل القانونى ليس ضمانا كافبا لعدم  ارتكاب الجرائم ومنع  الانفلات القانونى ، ذلك ما دفع المشرعين ابتداءا  لسن القوانين وادراج المبدأ العام لا عقوبة  بلا نص .

• ثالثا: ان الحديث عن قبض اشخاص ابرياء" حماية للظهر"  مخالف للدستور،القانون الوطنى و الدولى.

•  نقول ان حديث  مدير الادارة العامة للمباحث حول الاعتقال العشوائى ليس رأيا شخصيا و لكنه يعبر عن الذهنية الامنية للنظام تجاه المواطنين، وهى سياسة لا يعبر عنها صراحة و لكنها تبرز احيانا بشكل عفوى من احد المسؤولين، و الدليل على ما نقول هو ذلك السكوت المريب من جهات الضبط و المراقبة  عما يحدث من تجاوزات .

•  ان الحديث عن اعتقالات، تتم من الشرطة خارج نطاق القانون للمواطنين تستوجب المساءلة ، بل الابعاد من المنصب لمن قام بارتكابها او حرض عليها، ذلك يحدث فى أى دولة تحترم دستورها، قوانينها و انسانها فى المقام الاول.

•  اخيرا نقول ان الدول تتقدم و تتطور الى الامام  باحترام القوانين التى تسنها، تلك القوانين التى تحترم الانسان و حقوقه،  غير ذلك يعنى الفوضى و تحول المجتمع الى غابة يأكل القوى فيها الضعيف.

19 سبتمبر 2007