مفارقات تذهل...."مكاورة" !!!!

 عدنان زاهر

 هنالك خبرين اوردتهم الصحف اليومية فى الايام السابقة لفتا انتباهى بشكل خاص، ووفق تقديري فاٍن ذلك الاٍهتمام يعود اٍلى 3 أسباب:1- النهج المبتسر الذي تتعامل به السلطة تجاه بعض القضايا المهمة. 2- الخبران يجسدان بشكل تلسكوبي محزن، عدم الاٍهتمام، الاٍستهانة والتبسيط الذي يرقى اٍلى درجة القصد في معالجة  الأحداث الجسام، والتي تؤثر سلبيا في تطور المجتمع السوداني اٍجتماعيا وثقافيا وسياسيا. 3- الخبران يتعلقان بالحرب الدائرة في دارفور والاٍبادة العرقية التي تتبع ضد القبائل الأفريقية في ذلك الجزء من أرض الوطن. 4- يصادف 25 الجاري الاٍحتفال بالعيد العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة. ولأهمية الخبرين أستأذن القارئ في اٍيرادهما كما نشرا.

الخبر الأول: (جاء بصحيفة الرأي العام الصادرة بتاريخ 29 أكتوبر 2006 كما يلي: (أعلنت مديرة وحدة العنف        ضد المرأة والطفل بوزارة العدل دكتورة عطيات مصطفى أن حالات الاٍغتصاب بولايات دارفور الثلاثة بلغت 36 حالة وذلك في الفترة من يناير وحتى يوليو من هذا العام حسب سجلات النيابة بينما تم تأكيد 8 حالات تم تسليم أسمائهم لمجلس حقوق الاٍنسان في دورته الثانية بجنيف في سبتمبر الماضي. وأضافت في منبر وكالة السودان للأنباء أمس أن من بين مرتكبي حالات الاٍغتصاب أفراد من القوات النظامية تمت محاكمتهم بالجلد والسجن مؤكدة أن ما يروجه الاٍعلام الغربي عن اٍرتفاع الحالات بولاية دارفور يجافي الحقيقة. وقالت أن بعض المنظمات العالمية اٍستغلت أوضاع المرأة في دارفور نتيجة تردي الأوضاع الأمنية خدمة لمصالحها مؤكدة جدية الدولة في تغيير وضع النساء في دارفور وذلك من خلال رفع النسب المتدنية في التعليم وتحسين الوضع الاٍقتصادي بالتنسيق مع المجتمع الدولي ومنظمات الأمم المتحدة. وأكدت عطيات أن عدم توقيع السودان على معاهدة مناهضة أشكال التمييز كافة ضد المرأة (سيداو) لا يقف حائلا ضد مكافحة العنف ضد المرأة مشيرة اٍلى أن الدستور الاٍنتقالي منح المرأة حقوقها كاملة. واٍستعرضت عطيات اٍختصاصات وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والتي أنشأت بقرار من مجلس الوزراء في الأول من نوفمبر 2005 بهدف الرد على الاٍتهامات وتوفير المعلومات الحقيقية لأجهزة الدولة عن ظاهرة العنف ضد المرأة وعمل دراسات ميدانية على مستوى الولاية لمعرفة أوضاع المرأة اٍضافة لدراسة المفهوم الوطني للعنف ودعم منظمات المجتمع المدني في المناطق المتأثرة بهذه الظاهرة مشيرة اٍلى اٍستعداد الوحدة للاٍحتفال باليوم العالمي للعنف ضد المرأة والذي يصادف الخامس والعشرين من نوفمبر القادم.)

الخبر الثاني نشر في صحيفة سودانيز أونلاين الاٍليكترونية بتاريخ 4 نوفمبر جاء فيه: (قال الرئيس عمر البشير أن عشرة آلاف شخص فقط ماتوا في دارفور مقارنة مع 655 ألف ماتوا في العراق بعد الغزو.)

أول ما يلاحظه القارئ ويصدم به منذ بداية قراءته للخبرين هو: أ- المحاولات المستميتة والمقصودة لاٍخفاء ما يحدث في دارفور واللهث لطمر الحقيقة أو بترها، مستهدفين في جهدهم الموظف سلبيا وبشكل مباشر عدد حالات القتلى ومن ثم النساء المغتصبات. ب- التهافت الساذج لاٍلغاء عقول الآخرين لاٍقناعهم بوجهات نظر لا تستطيع الجلوس على مؤخرتها ناهيك عن الوقوف في اٍستقامة.

لنبدأ بمناقشة ما جاء في أقوال مديرة وحدة العنف ضد المرأة والطفل بوزارة العدل دكتورة عطيات مصطفى وجوهر حديثها يمكن تلخصيه في الآتي: 1- أن حالات الاٍغتصاب في دارفور ولفترة 6 أشهر هي 38 حالة فقط وليس كما يعكسه ويردده الاٍعلام العالمي. 2- اٍن عدم توقيع السودان على معاهدة "سيداو" لا يقف حائلا أمام السلطة لوقف العنف ضد النساء. 3- الآن الدولة بصدد دراسة المفهوم الوطني للعنف.

● النقطة الأولى من حديث المسئولة بوزارة العدل فيه اٍنكار ثعلبي لما ظلت تردده المنظمات العالمية والأمم المتحدة عن جرائم الاٍغتصاب في دارفور. أ- نقول أن الاٍحصائيات عن حوادث الاٍغتصاب أوردتها منظمات لا يقدح في مصداقيتها مثل "امنستي انترناشونال" أو "هيومان رايت ووتش"، بل أن وزنها العالمي مستمد من مصداقيتها. ب- أن حكومة الاٍنقاذ ظلت ومنذ بداية اٍندلاع الحرب في دافور تنكر باٍستمرار واٍصرار أن هنالك حوداث للاٍغتصاب قد وقعت، بل أكثر من ذلك كانت تحاسب من يجرؤ في التحدث في هذا الموضوع وأخيرا أتت لتعترف في اٍستحياء أن هنالك حوادث للاٍغتصاب ولكنها قليلة، وذلك يؤكد ما ظلت تردده المنظمات العالمية. ج- ذكرت الدكتورة مستهينة أن عدد النساء المغتصبات 38 في 6 أشهر ويعني حديثها أن هنالك 6 حوادث للاٍغتصاب تقع شهريا في دارفور. وهي بالتأكيد وبكل المقاييس نسبة عالية ومخيفة اٍلا بمقاييس الاٍنقاذ، بالرغم من أن العدد الحقيقي للنساء المغتصبات شهريا أكثر من ذلك بكثير.

 لا نريد أن نتحدث عن العنف ضد النساء والاٍغتصاب وتأثيراته الاٍجتماعية اللاحقة ولكننا نريد أن نذكر شيئا مهما عن الاٍغتصاب في هذا السياق. درج في الفقه الدولي حديثا على ربط الاٍغتصاب الذي يحدث اٍبان الحروب بجريمة الاٍبادة الجماعية، جاءؤ في كتاب "المحكمة الجنائية الدولية والسيادة الوطنية" لمؤلفه عادل ماجد الصادر بالقاهرة 2001 صفحة 67 ما يلي: (ويبدو أن تعريف جريمة الاٍبادة ومحاولة بسطه يشمل أفعالا اٍجرامية أخرى من غير الأفعال المتعارف عليها قد أضحى اٍتجاها له مؤيدوه في الفقه والقضاء. ففي أحد الأحكام الحديثة الصادرة عن محكمة رواندا الجنائية الدوليه قررت غرفة المحاكمة في قضية "أكاسيو" – وهو أحد القادة المدانين من طائفة الهوتو – في قضاء غير مسبوق أن أفعال الاٍغتصاب- التي اٍرتكبها الهوتو ضد التوتسي – تشكل جريمة اٍبادة  الجنس البشري طالما أرتكبت بهدف القضاء على تلك الجماعة.

● النقطة الثانية في حديث الدكتورة والمتعلق باٍتفاقية "سيداو" لم تتكرم الدكتورة بذكر الأسباب التي دعت السلطة على عدم التوقيع على تلك الاٍتفاقية بالرغم من أنها قد كفلت وجسدت حقوق المرأة كاملة وفقا للتجارب المكتنزة عبر التاريخ الاٍنساني لا أرى مبررا لذلك الرفض سوى أن السلطة تقصد عدم الاٍعتراف بحقوق المرأة كاملة وتسعى للاٍنتقاص منها.

● أن ما يدهش حقا هو الحديث عن مفهوم وطني للعنف، لأن تعريف العنف الوارد في اٍعلان الأمم المتحدة للقضاء على العنف ضد المرأة يشمل كل أنواع العنف، وفي تقديري أن مفهوم العنف ضد المرأة لا يختلف من بلد لأخرى أو من قارة لأخرى. جاء ذلك التعريف كما يلي في المادة الأولى ("عبارة العنف ضد المرأة" تعني أي فعل من أفعال العنف يقوم على الجنس ويؤدي أو يحتمل أن يؤدي اٍلى اٍلحاق أذى أو ألم جسدي أو جنسي أو نفسي للمرأة بما في ذلك التهديد باٍرتكاب مثل هذه الأفعال أو الاٍكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سوى حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة. ) ….. والآن نتساءل هل يخرج مفهوم العنف في السودان تجاه المرأة عن هذا المفهوم؟!!

أن الحديث عن "عنف وطني" فهو- بالاٍضافة اٍلى ضحالته المعرفية- المقصود به فقط الهروب من الاٍلتزام العالمي لمفهوم العنف ضد المرأة.

نأتي بعد ذلك اٍلى حديث السيد الرئيس والجنرال المضمن في الخبر الثاني، والذي أدلى به في مؤتمر صحفي ببكين. لنا عدة ملاحظات على ذلك الحديث فقد ذكر مقارنا الأحداث في دافور بالأحداث في العراق وذلك به كثير من التضليل وتغبيش الحقائق للآتي: 1- القوات الموجودة في العراق ليست هي قوات تابعة للأمم المتحدة بل هي قوات أمريكية مشتركة بالاٍضافة لقوات رمزية من دول أخرى. 2- كثيرمن الدول رفضت أو تحفظت في دخول قوات أمريكية للعراق رغم الجرائم اللااٍنسانية التي اٍرتكبها صدام وزبانيته في حق الشعب العراقي ويعود ذلك اٍلى أن تلك الدول ترفض أن يؤخذ القانون بواسطة أيادي ودول خارج مظلة الأمم المتحددة وذلك ما يهدد السلام العالمي. 3- في مايختص بقضية دارفور فالوقائع تختلف جوهريا عما تم في العراق، فالقوات المقترحة لاٍنقاذ دارفور هي قوات أممية تدخل تحت مظلة الأمم المتحدة بموافقة الدول المنضوية تحت لوائها.

● حديث الرئيس وهو يقول مستهينا أن 10 ألف مواطن "فقط" قد قتلوا في دارفور – وبالرغم من أن العدد الحقيقي للموتى يقدر بأكثر من 200 ألف شخص – فيه كثير من عدم التقدير والاٍحترام لأولئك الذين يموتون في تلك البقعة من أرض الوطن والتعامل معهم بتعالي ودونية وكأنهم ليسوا بشرا. نقول أن في الدول المتحضرة   الموسومة "بالشرك والصليبية" هنالك جمعيات تقتص قانونا لقتل الحيوانات ناهيك عن قتل آلاف من البشر. هل هنالك داعيا لأن نورد معلومة أولية وهي أن قتل النفس قد حرمت مغلظة في الدين الاٍسلامي الذي يدعي المشير أنه أول حماته، كما أنها قد حرمت في كل الديانات والمذاهب الاٍنسانية الأخرى ونص على ذلك صراحة في كل المواثيق الدولية. ألم يسمع السيد الرئيس أن هنالك حكومات تسقط ويحل غيرها عندما يموت جندي من جنودها بلا مبرر في حرب لها مبرراتها؟!

الخبران يجسدان بفظاظة العقلية التي يفكر بها جماعة الانقاذ في السودان. لقد تفوهوا بها عندما قبروا الديمقراطية على ظهر الدبابات بأنهم سوف يحكمون على جماجم الموتى!!

18 نوفمبر 2006