الهويات الملتبسة

 عدنان زاهر

حدث هذا في سبعينات القرن الماضي، اٍبان دراستي الجامعية في الاٍتحاد السوفيتي (السابق) بموسكو. كنا وقتها في الاٍجازة الصيفية وقد درجت العادة أن يقضي معظم الطلاب اٍجازاتهم اٍما في معسكرات للعمل كان الهدف الأساسي من اٍنشاءها هو تعليم الطلاب في تلك السن المبكرة احترام وتقديس العمل ومعرفة قيمته، واٍما في المصيفات المتناثرة في طول وعرض الاتحاد السوفيتي وشواطئ البحر الأسود. كانت اٍجازتي فترة شهرين منقسمة الى جزئين، شهر في معسكر للعمل والراحة في جمهورية ملدافيا وهي احدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وعاصمتها (كشنوف) وكنا نعمل في جمع الفواكه (تفاح – خوخ – كمثرى) من المزارع لمدة ثلاث ساعات في الصباح وبقية الوقت ينظم لممارسة الهوايات الشخصية والنشاطات العامة. الشهر الآخر من الاٍجازة الصيفية قضيته في مصيف (مكابثي) على شواطئ البحر الأسود.

كنت في ذلك الزمن البعيد لاعب كرة ماهر ومميز و(حريف) ومارست لعبة كرة القدم قبل سفري الى روسيا على مستوى الأندية المسجلة في اتحاد كرة القدم السوداني. وبهذه المناسبة أود أن أحكي قصة طريفة حدثت لي قبل فترة وجيزة. قابلت أحد الأشخاص الذين زاملوني في أحد مراحل دراستي المبكرة ويشاركني سكنى مدينة أمدرمان، وهو يعلم ويعرف قدراتي العالية في لعب كرة القدم وهذا اللقاء الذي وقع مصادفة تم بعد سنين طويلة لم نلتقي فيها. ذكر لي ذلك الشخص وكان جادا ونحن نتناجى الذكريات ونتبادل الخبرات ( يا زول ما كان أحسن ليك الكورة بدل شغل المحاكم والمعتقلات وفي نهاية الأمر السكن في آخر الدنيا.) أجبته مندهشاً وحزيناً وساخراً (مكتوب). وهي اٍجابة استعرتها من رواية بابلو كويلهو الفذة (الخيمائي، أو ساحر الصحراء).

ما يهم هنا واثناء اٍقامتي في ذلك المعسكر المقام بملداقيا، والمعسكر يضم عدد ضخم من الطلبة القادمين من مختلف أرجاء الكرة الأرضية، أن حددت مباراة بين فريق الطلبة العرب وفريق الطلبة الأفارقة وبما أنني كنت ألعب في فريق الجامعة الأول فقد كان متوقعا أن يتم اختياري للعب في هذه المباراة . قبل يوم من  موعد المباراة حضر الى غرفتي وفد من الطلبة الأفارقة منظمي المنافسة وأخبروني بأنني قد تم اٍختياري للعب في فريق الأفارقة وفي نهاية لقاءهم ذكروا لي (يجب أن تلقن هؤلاء الأرب ........ درسا لن ينسوه).

لم تمضي ساعة على خروجهم حتى أتى الى غرفتي وفدا من الطلبة العرب وأخبروني أنني سوف ألعب معهم وأنني أمثل مفتاح نصرهم في المباراة القادمة وأضافوا (يجب أن نسحق هؤلاء الأفارقة.... ونلزمهم الحدود).

عندما أغلقت باب غرفتي بعد توديعهم عرفت مدى الورطة التي وقعت فيها (وبمعنى أصح الورطة التي أوقعني فيها سودان صقر الجديان)، ولأول مرة أفقت على سؤال وقع على رأسي كالمطرقة من أنا؟ ما هي هويتي؟! ووجدت أن الاٍجابة الساذجة التي لقنت لنا في مراحل دراستنا الأولى وكررت على مسامعنا شعرا ونثرا (أنا عربي أفريقي) لا تفيد في هذه الحالة ولا تجدي نفعاً. كان مطلوباً مني في تلك اللحظة ليس اختيار فريقا رياضياً للعب معه بل اختيار موقعاً حياتياً جوهرياً  تترتب عليه خطواتي اللاحقة على المستوى الشخصي وعلى المستوى العام. اتحاد الطلبة السوداني كان عضوا في اتحاد الطلبة العرب واتحاد الطلبة الأفارقة وكان ذلك الوضع الشبيه بزواج المتعة موضع تندر من الطرفين ولكن الأمر كان سائراً ومستمراً طالما لم يقع تناقض يكشف ويعري تلك العلاقة الملتبسة. في الجامعة لدي أصدقاء من الطلبة العرب وأصدقاء من الطلبة الأفارقة ولم أكن أرغب بفقدانهم وكنت أعلم تمام العلم أن أي اٍختيار لأحد الطرفين كان يعني فقدان الطرف الآخر وفي ذهني العلاقة المتوترة بين الطرفين المشوبة بالحذر والشك.  يواجه معظم البشر في أثناء مسيرة حياتهم لحظات يفتقدون فيها البوصلة والقدرة على الاٍختيار وكان موقفي واحد من تلك المواقف. لم أنم تلك الليلة وشريط سنوات عمري يتكرر بشكل رتيب أمام ناظري . عند وصول الفجر توصلت الى قراري.  كان قراري هو ادعاء المرض وعدم اللعب مع الفريقين وقد كان هذا ما حدث. كان موقفاً توفيقياً.  بعد تلك السنين المندلقة من العمر والتجارب الباهظة الثمن، بعد ربع قرن من الزمان أعيد طرح السؤال المؤرق الذي لا زال عالقاً بالذاكرة اٍذا طلب مني الآن أن أختار فأي الفريقين أود الانضمام له؟ هل أدعي المرض لأقف في الحياد؟ هل أختار التوفيق السوداني (خير الأمور الوسط)؟!

ابتداءا أقول أن موقفي قبل ربع قرن – وذلك ليس نقداً – كان يغلب عليه طراوة العمر ونداوة التجارب والمعرفة. كما أن ذلك الموقف والاٍختبار كان يتطلب في تقديري استواء العود واشتداده .

 تعلمت بعد ذلك الزمن أن الهوية لا تحددها الأمنيات ولا ما نريد أن نكون عليه بل تحددها المواقف التي نعيشها، مواقف من حولك والعالم تجاهك. من أنت؟ ومن تكون؟ وأنا أقصد النظرة تجاهك وهذه النظرة تنقسم بدورها الى قسمين المعلن والمستتر. من ذلك المنطلق وبعد حصيلة كثير من التجارب أقول بتأكيد جازم أنني استطعت اختيار الفريق الذي أقوم باللعب معه دون لبس ولا مجاملة.  للأسف الشديد أن ذلك الفريق بعد هذا العمر لن يستطيع الاٍستفادة من قدراتي لضعف اللياقة وأمراض الهرم. هل يمكن أن أضيف، ملعون الزمن الذي يدعو الشخص للجهر بهويته. يقول الكاتب الفذ أمين معلوف في هوياته القاتلة وهو يستعرض هوياته وانتمائاته (وأنا الذي أجاهر بكل انتماء من انتماءاتي لا يسعني اٍلا أن أحلم باليوم الذي تسلك فيه المنطقة التي أبصرت فيها النور الدرب نفسه، مخلفة  وراءها زمن القبائل، وزمن الحروب الدينية وزمن الهويات القاتلة).

16 أغسطس 2004