فجيعة جيلين

عدنان زاهر

كنت أدير مؤشر الكمبيوتر بشكل روتيني متكاسل على "الويب سايتس" التي أطلع عليها كل صباح، عندما وقع بصري على خبر وفاة الفنان الأستاذ اٍبراهيم عوض. أصابني حزن موجع، وتملكني في تلك اللحظة شعور ملحاح وضاغط وهو أن أحكي لشخص ما عن صلتي باٍبراهيم عوض. لم تتحقق تلك الرغبة الملحة لأن الشخص الوحيد الذي يمكن أن يقدر جسامة حزني على هذا الفنان كان هو الآخر قد رحل منذ زمن بعيد.

بدأت أسترجع مشواري الطويل مع الفنان الذري، كنت أترنم ذات يوم بصوت مرتفع بأغنيته الملتاعة "حبيبي جنني" والتي كنت قد سمعتها حديثا، عندما أتاني صوت الوالد الجهور، عسكري الملامح والتركيب، مستنكرا ومتساءلا (حبيبك جننك؟!) ....فانكتمت مرعوبا.

كنت في بداية الصبا، أخضر العود، الدنيا تتشكل طوع يداي في ليونة ووداعة، لم تكن قد تنمرت بعد وأدارت قفاها. أبراهيم في ذلك الوقت كان رسول الحب الذي نتكئ على أغنياته الحميمة ونتناجى بها في رسائلنا السرية البريئة.  بالطبع تحيرت لغضب والدي الفجائي وموقفه وقد كنت أعلم مدى اٍعجابه بأغاني الفنان الكاشف المتنوعة والعامرة بالحب. بعد زمن طويل عرفت أن والدي لم يكن له موقف تجاه الفنان أو أغنياته، بل كان يرفض بعقليته العسكرية أن يكون الحب سببا في جنون اٍبنه الذي يريد منه أن يصبح جنديا مهولا!!

كان ذلك الجنون العذب المشاكس بداية الرحلة الوجدانية مع اٍبراهيم عوض حتى لحظة رحيله. تراكمت أغنياته مع الزمن واحتلت مساحات واسعة من النفس والاٍحساس ثم تراصت بشكل هندسي يستعصي اٍقتلاعها. الدنيا الجميلة، هيجنتي الذكرى، ليه بتسأل عني تاني، عزيز دنياي، يا خائن.....الخ الأغنيات الرائعة.

كانت مقتطفات من أغانيه العاطفيه تقتطع جزئا معتبرا من رسائلي الغرامية، كما صارت كلماتها الراقصة الملونة ضمن قاموس عشقي في ذلك الزمن البعيد.

في ذلك الزمن حينما كانت حفلات الأعراس في أمدرمان حقا مباحا ومشاعا لكل عابر سبيل أو تائه قادته قدماه الباحثة والمنقبة صوب مكبرات الصوت، كنا نلهث مع مجموعة رفاق الصبا للحاق بحفلاته، نخب في أثر الصوت الحنون. نقطع المساحات الشاسعة، العرضة، بيت المال، بانت، الموردة، أبو روف، ود نوباوي وعندما نظفر باللقاء نعود مع ساعات الفجر الأولى ونحن نترنم بأغنياته.

لازمني الحزن كظلي وأصبحت أحتال عليه بشتى الطرق والسبل لاٍزاحته، وكدت أنجح في تهدئته، عندما هاتفني صديق ذلك اليوم ليخبرني أيضا برحيل الفنان هاشم ميرغني. اٍنغرس سهم آخر من الألم في مؤخرة السهم القديم الذي لم تبرأ جراحه بعد، وتساءلت لما هذا الرحيل المتزامن؟ وكيف تأتي لهما مفارقة كل ذلك العدد من المحبين والمعجبين؟!

هاشم ميرغني تعرفت على أغنياته في سبعينات القرن الماضي، بعد عقد من الزمان من معرفتي للفنان اٍبراهيم عوض، وكنت دوما أتعجب من ذلك التواصل المدهش بين فنانين يفرق بينهما فسحة من الزمن والتاريخ؟!

أغنيات هاشم الرقيقة تثير الحزن والشجن والتفكير البكر، ما مشتاقة ليّ، ضل ضفائرك، قسمة، كان زمان........الخ.

كنت عندما أحس بالخواء كثيرا ما أرجع لأغنياته. هاشم يدخل اٍلى القلب مباشرة، يتسلل اٍلى الدواخل دون اٍستئذان وعندما "يتحكر" في الوجدان يجد الترحيب والأذرع الفاردة. هو يمثل مرحلة متوسط العمر، فنانان ينتميان اٍلى فترتين مختلفتين آلف بينهما توافق هارموني عجيب.

هل كان ما يجمع بين هذين الفنانين الأداء المطبوع الأصيل أم الاٍحساس المرهف العميق؟.....لا أدري.

أن رحيلهما غير المعلن والمباغت وهما يبعدان عن بعضهما آلاف الكيلومترات، يمثل فجيعة لجيلين، جيل الستينات وجيل  السبعينات. كما يعني أن فترة عزيزة اٍلى النفس قد صارت ذكرى!!!

16 يونيو 2006