كنديون فى السودان- القرن التاسع عشر
عدنان زاهر
هنالك عدة أسباب دفعتنى للكتابة فى هذا الموضوع، تلك الاسباب هى:
1-البعد التاريخى لنشوء العلاقة بين السودان و كندا، مع ملاحظة تضاءل الفرص لقيام مثل تلك العلاقة لولا الظرف التاريخى الخاص .
2- الطرق التى اتبعتها الدول المستعمرة فى سبيل هيمنتها على الدول الاخرى، لنهب و استنزاف مواردها ، والاساليب الملتوية لتحقيق ذلك الهدف.
3- تطور العلاقة بين السودان و كندا فى الربع الاخير من القرن الماضى و استمرارها فى النمو.
4- اهتمام الكنديون بما يحدث فى السودان و تضامنهم المستمر مع قضايا الشعب السودانى و السعى لاستقرار اوضاعه.
5- التجربة الكندية المتفردة لنظام الحكم، نموها الاقتصادى، تشكيلتها الاجتماعية المتميزة، تطور التعليم و ابتكار و ابتداع الطرق لتوصيل المعرفة....الخ كل ذلك يستحق جهد الدراسة لسبر غور التجربة الكندية و الاستفادة من ايجابياتها.
البداية
بعد قيام الثورة المهدية فى السودان ضد الاستعمار التركى المصرى ، و سقوط حاميات المستعمر المنتشرة بعرض البلاد و طولها، الواحدة تلو الاخرى تحت ضربات جيوش المهدى، و عندما لاح شبح الهزيمة الكاملة، قررت دولة الخديوى المنهكة بالديون و الهرم الانسحاب من السودان. أمر الانسحاب من السودان تم بمشورة بريطانية، مع النصح ببناء خط دفاعى قوى جنوب مصر لمنع أمتداد الثورة المهدية شمالا و شرقا فى البحر الاحمر و محاصرتها و تحجيمها داخل السودان.
أختير لهذه المهمة الصعبة الجنرال الانجليزى المتغطرس و المتزمت مسيحيا شارلس جورج غردون - بعض المؤرخون يعتقدون انه كان مدمن للخمر- و هو قد حاز على سمعة عسكرية عالية لادائه العسكرى المميز فى حرب القرم بروسيا و من ثم بعد ذلك الحرب فى الصين حتى لقب ب "غردون الصينى"1 ، بالاضافة الى ذلك فقد عمل الجنرال غردون تحت خدمة مصر الخديوية فى السودان من الاعوام 1874-1880 مع فترة غياب بسيطة لا تحتسب. من هذا العرض الموجز لتاريخ الرجل يتضح لنا انه ذو مقدرة عسكرية رفيعة و خبرة و دراية بشئون السودان، و تلك الاسباب هى التى دفعت لترشيحه للقيام بهذه المهمة.
عند حضور غردون للسودان كان الوضع قد اصبح خارج السيطرة، و اصبحت المهمة الموكلة اليه، باخراج ستة آلاف جندى و حوالى عشرة الف الى خمسة عشر مدنى من البلاد اشبه بالمهات المستحيلة، خاصة بعد أن اطبقت قوات المهدى على الخرطوم العاصمة من كل جانب. تأزم الموقف و اصبح اكثر حرجا بعد أن أصبح سقوط الخرطوم متوقعا و مهددة حياة الجنرال نفسه. فى هذا الجو المشحون و بضغط شعبى عارم قررت الحكومة البريطانية ارسال حملة لانقاذ الجنرال غردون والذى أضيفت الى سيرته الشخصية فى سبييل انقاذه صفات أشبه بالكرامات الدينية. أوكلت هذه المهمة للجنرال "ولسلى"2 و هو نفس الشخص الذى كان وراء ارسال غردون للسودان.
الجنرال ولسلى كان قريب من السطات الممسكة بزمام القرار فى بريطانيا فى ذلك الزمن، و هو قد عمل فترة من الوقت فى كندا بين الاعوام 1866-1869. من خلال عمله هنالك تعرف بالبحارة الكنديين او ماصطلح على تسميتهم ب" الفويجرس"3 ، و تعرف عن قرب على مهارتهم العالية و حنكتهم فى التعامل مع الانهار صعبة الملاحة فى أصقاع كندا الشمالية، و قوة شكيمتهم وقت الصعاب. البحارة الكنديين الفويجرس ،هم من مواطنى كندا الهنود الاصليين،و قد استخدمتهم الشركات التى كانت تعمل فى تجارة الفرو فى القرن السابع و الثامن عشر لتوصيل المؤون الى المناطق النائية، صعبة الوصول فى الشمال الكندى الملئ بالجليد و الأنهر الفوارة المندفعة طوال العام، كان ذلك قبل اختفاء هذه التجارة من خارطة الاستثمارالكندى الذى تسبب فيه الجشع و الصيد الجائر.الذين تعرف عليهم ولسلى لاحقا و عملوا لديه كانوا أحفاد هؤلاء القوم.
الجنرال ولسلى منذ اختياره للمهمة الشاقة متعددة الأبعاد، خطر بذهنه فورا البحارة الكنديين، و يبدو ان مهارتهم و كفاءتهم لم تسقط من ذهنه طوال ثلاثة عشر عاما مضت منذ مغادرته كندا، فقرر استدعائهم و الاستعانة بهم لقيادة زوارقه فى نهرالنيل، لقهره و ترويضه ، لانقاذ غردون من المدينة المحاصرة الخرطوم التى تفوح منها رائحة الموت.
من خلال علاقته السابقة عمل ولسلى لتجنيد عدد 386 من البحارة و ضباط للاشراف عليهم، ليصل العدد الكلى الى 400 كندى للعمل ضمن حملة السودان. جند افراد البحارة من أتوا، منتوبا، كيوبيك و هى مدن تقع فى شمال كندا و تتصف ببردها و الجليد الذى يقطيها طوال العام. هؤلاء الجنود نصفهم كان يتجدث اللغة الانجليزية و النصف الآخر الفرنسية و معظمهم من الهنود سكان كندا الاصليين و النصف من الكنديين ذوى الاصول المختلطة، و من الاشياء اللافتة للنظر هو تجنيد قسيس يرافق البحارة. معظم هؤلاء المجندين كانوا لا يعرفون شيئا عن السودان او حتى افريقيا و لكن المرتب المغرى فى ذلك الزمن، "40 دولارا" كان وراء انضمامهم لمهمة تبعد عن وطنهم آلاف الكيلومترات. هذا العمل يجسم بشكل واضح عقلية المستعمر و استغلاله للشعوب المقهورة و استخدامها لقهر شعوب اخرى، مستصحبا دوما معه مبدأ الغاية تبرر الوسيلة. يفعل ذلك دون حواجز اخلاقية تقف امامه و دون ادنى اهتمام لما يصيب هؤلاء البحارة الاميين. كانت مهمة هؤلاء البحارة هى المشاركة فى قيادة 400 زورق يحملون 4000 جندى من مدينة وادى حلفا و حتى دنقلا. هؤلاء البحارة كانت لديهم تجارب مدهشة مع نهر النيل و قد اصيب بعض منهم بامراض لم يألفوها و ماتوا و هم يقومون باداء مهامهم . البحارة الكنديون، بالرغم من تجاربهم و خبراتهم السابقة فهم يعتقدون ان نهر النيل من اشرس الانهر التى تعاملوا معها. انتهت المهمة التى اسندت اليهم بتوصيل القوة الى دنقلا ثم عادوا ادراجهم الى مصر و منها الى كندا وفقا للاتفاق الذى تم معهم، قد استغرقت تلك المهمة ستة أشهر من اكتوبر 1884 و حتى مارس 1885- التاريخ يسجل ان مهمة انقاذ غردون قد باءت بالفشل، و عندما كانت البواخر على مشارف الخرطوم كان غردون قد قتل وسقطت العاصمة فى قبضة الثوار، فاستدارت البواخر عائدة يثقل كاهلها الفشل و الخيبة. كانت تلك اول علاقة للكنديين بالسودان و التى سوف تستمر لاحقا.
المرة الاخرى
عندما هزم الاثيوبيون الايطاليين فى معركة "عدوة" مارس 1896 ، وجد الانجليز ذلك سببا لغزو السودان و استعادته تحت دعوى مساعدة الحكومة الايطالية، اما السبب الحقيقى و الخفى فقد كانوا يخشون تحالف الاثيوبيون و المهديون و الذى يعنى تهديد مصر مستقبلا . السبب الثانى الذى دفعهم لغزو السودان فهو الخوف من تقدم الفرنسيين من ناحية الجنوب و الذين وصلوا حتى اعالى النيل و السيطرة على منابع النيل و ذلك مما لا تسمح به بريطانيا. بهذه الاسباب و غيرها فقد تم تعيين الجنرال كتشنر4 سردار الجيش المصرى لقيادة جيش لاعادة غزو السودان. الجنرال كتشنر كان يشارك رصيفه غردون صفة الغطرسة مع قدرات هائلة فى التنظيم و الحركة الايجابية، و كان قد عمل مع الجنرال ولسلى ابان حملته للسودان ، كما شارك فى معركة توشكى ضد عبدالرحمن النجومى. هذا الجنرال كان يؤمن جازما ، انه لاعادة فتح السودان لا بد من بناء خط سكة حديد يعبر الصحراء من وادى حلفا و حتى ابوحمد، ذلك لتامين ظهر الجيش الغازى و ضمان وصول الامدادات و عدم تعثرها او انقطاعها. وقع اختياره لهذه المهمة على مهندس كندى يدعى ادوارد بيرسى كارنويل جيرارد5.
ولد جيرارد فى مونتريال عام 1867 من اسرة ارستقراطية تعمل بالمحاماة، و كان اجداده الفرنسين قد هاجروا الى كندا منذ القرن السابع عشرو تزوج والده من امرأة ارلندية بالرغم من اعتراض والده على دراسته للهندسة فقد اكمل كلية الهندسة بمدينة "كنجستون" و عمل مهندسا و اكتسب سمعة مهنية عالية مما كانت سببا فى سفره الى انجلترا، ومن ثم استيعابه فى الجيش الانجليزى- القسم الخاص- بانشاءات السكك الحديدية.
وصل جيرارد الى وادى حلفا فى العام 1896 و بدأ فورا العمل، و المدهش انه استجلب قاطرات و معدات من " الكيب تاون " المستعمرة الجنوب افريقية و الذى كان يحلم حاكمها بخط لسكك الحديدية يمتد من حلفا شمالا و حتى ل" الكيب تاون " جنوبا. عمل فى بناء الخط الحديدى الصحراوى الذى امتد من حلفا- ابوحمد- عطبرة ، عددا من جنود الحملة يشاركهم 800 اسير سودانى ساهموا فى بناء هذا الخط.( الشيخ بابكر بدرى فى كتابه " حياتى" تناول بعض احوال الاسرى فى مصر بعد هزيمة ود النجومى فى توشكى). واصل" جيرارد" بناء الخط حتى مدينة عطبرة و لم يتثنى له المشاركة فى معركة كررى ، السبب فى ذلك رجوعه العاجل الى مصر، بامر من كتشنرلترميم خط السكة حديد بين الاقصر و اسوان لحماية ظهرقواته فى السودان، و لم يرجع مرة اخرى.
تلك هى بداية المعرفة بين السودان و كندا و التى استمرت لاحقا باشكال مختلفة، وفى تقديرى هنلك فرص كثيرة لتطويرها و الارتقاء بها مستندين فى ذلك على المصالح المتبادلة، الشفافية فى التعامل و الندية.
15 سبتمبر 2007
1 The Chinese Gordon
2 Wellesley
3 Voyageurs
4 Kitchener
5 Girouard