تماثل!

عدنان زاهر

ظاهرة احلال الديكتاتور نفسه محل الدولة او التماثل و التماهى معها، و من ثم اعتبار نفسه هو الدولة و الدولة هو، ليست ظاهرة جديدة فى تاريخ التطور الانسانى،  و مقولة " انا الدولة" التى يضرب بها المثل كثيرا تجسد هذه الظاهرة خير تجسيد. هذه المرحلة أى – مرحلة التقمص – فى رحلة اى  ديكتاتور مع السلطة تعنى ذروة التسلط و الاستبداد ، كما هى من جانب آخر مؤشر لبداية الانحدار نحو النهاية المحتومة- زوال السلطة.

الجنرال و السيد عمر البشير رئيس الدولة السودانية ظل لعدة أشهر يتحدث بصوت مرتفع ، ملقياً للخطب الهتافية و الحماسية امام الجماهير فى مختلف ارجاء الوطن، مردداً عدم سماحه و عدم قبوله بدخول قوات تحت مظلة الامم المتحدة لحماية و انقاذ المواطنين فى دارفور  ( و هى القوات الموجودة اصلا فى السودان بعد اتفاقية نيفاشا) . دون اعادة و تكرار عما كتب كثيرا عن مأساة دارفور ، فالعالم يعتقد بشكل جازم ان مايجري في تلك البقعة من ارض الوطن هو أسوأ كارثة انسانية فى القرن العشرين بكل تفاصيلها من حرب ابادة عرقية ، و جرائم ضد الانسانية . حرب قتل فيها فى ثلاثة اعوام اكثر من 300 الف مواطن وشرد  اكثر من 2 مليون آخرين فى حدود البلدان المجاورة او على المعسكرات المفتقرة لأبسط  مقومات الانسانيه. السيد الرئيس يكرر رفضه دائمأ مستصحبا فى قوله قسماً مغلظاً.

نريد ان نقول حقيقة بديهية ، وهى ان مثل هذه المسائل والقضايا السياديه، والمهمه تناقش ويقرر فيها  فى الدول ذات  الحكومات المنتخبه ديمقراطيا بواسطة أجهزة الدولة المتخصصه ومن ثم تجاز بواسطة الهيئات المنتخبة. ما يثير الدهشه والأستنكار ان يتم التعامل مع الدولة وكأنها "داشا" يمتلكها أحد اٍقطاعى روسيا القيصريه، يتصرف فى ملكيتها وما تحتويه وفق ما يحلو له ، ابتداءا من اٍذلال المزارع وحتى بيعه مع الارض والمحصول وهذا ما تعكسه  بالضبط مماراسات السيد الرئيس. نضيف بأن القسم هو مسألة شخصية يمارس فى المسائل الشخصية و ليس فى المسائل العامة التى تهم مواطنى الدولة .

السيد الرئيس يلقى بأقواله تلك وهو يعلم تمام العلم اٍن دولته عاجزه عن اٍحلال الأمن فى دارفور، بل هى عاجزة حتى عن اٍحلال الأمن فى عاصمة البلاد - الخرطوم – التى يذبح فيها المواطنين نهارا جهارا!الدولة عاجزة عن اٍحلال الأمن فى دارفور لانها هى من قامت بتأجيج الصراع هنالك ، هى من قامت بتسليح الجنجويد، هى المستفيد من الوضع الجديد فى دارفور وهى بهذا التسبيب لا مصلحة لها فى تغير ما هو جارى ومتغير على الأرض.

الرئيس يعلم ايضا أن ما ظل يردده يفتقد لأسباب موضوعية مقنعة، كما  أن  الأغلبيه من مواطنى دولته لا يتفقون معه فى رأيه هذا. المعارضة السودانية بمختلف توجهاتها واحزابها، المنظمات ذات الطابع الانسانى، ونضيف ايضا حتى شركاءه فى السلطة. كل هؤلاء يقفون مع خيار دخول قوات الأمم المتحدة لحماية المواطنين العزل طلما لا يوجد سبيل آخر لوقف نزيف الدم فى تلك البقعة المنكوبة من أرض الوطن، وطالما هوخيار المواطنين الذين عانوا ويعانون مرارة الحرب، التصفيات، جرائم الأبادة، الاغتصاب والقتل اليومى.

التاريخ لمن يقرأه بتمعن يعيد انتاج نفس المواقف بأشكال مختلفة، فى العام 1943 اٍبان السنين الأخيرة للحرب العالمية الثانية، و المانيا النازية تتكبد الخسائر و تفقد المعارك الواحدة تلو الأخرى، وأصبحت مؤاشرات الهزيمة واضحة، تمت الدعوة لاجتماع للقيادة الالمانية لمناقشة الوضع المتدهورفى الجبهات . كان واضحاً ومتفقاً عليه بين عدد كبيرمن القادة الالمان فى ذلك الاجتماع اٍن المانيا خاسرة الحرب لا محالة، وأن الحل الوحيد والمتاح لتجنيب الشعب الالمانى الابادة، هو الدخول فى مفاوضات مباشرة مع الحلفاء فى ذلك الاجتماع التاريخى وقف الديكتاتور النازى هتلر مخاطبا الاجتماع بقوله " اٍذ اكان الشعب الالمانى عاجزاً عن كسب الحرب فليذهب الى الجحيم وعلى اى حال فافضل وأكفأ الناس أصبحوا فى عداد الموتى. و لو انه تعرض للهزيمة فسيقاتل من منزل الى منزل بحيث لا يبقى شيئاً. ويجب على الشعب ان يموت ميته بطوليه وهذه ضرورة تاريخية " مذكرات روميل الجزء السادس ص 736  

موقف هتلر – بلا شك- يعكس بشكل مفجع الدرجة التى يمكن ان تصل اليها الدكتاتورية فى مرحلة من مراحل انتفاخها السرطانى ، و هى  فى هذه اللحظات  بعنجهيتها ، ضيق افقها ، انانيتها، و استهانتها بالرأى الاخر يمكن ان تدفع الاخرين الى الهاوية من دون ان يرمش لها جفن. هتلر كان يفترض تحقيق حلمه و لو على جماجم الأمة الالمانية. بالطبع التاريخ يقول ان ذلك لم يتحقق ، بل حدث العكس تماما ، وكما  توقع بعض من  اولئك القادة اللذين تواجدوا معه فى ذلك الاجتماع المصيرى فقد تناثر حلمه البغيض على جماجم و هياكل الشعب الالمانى.

يبدوا أن هنالك تقارب بين الموقفين رغم اختلاف الزمان و المكان ، و رغما من أن المقاربة لا نقصد بها جوهر النظامين – وهو صحيحا لو اردنا ذلك- و لكن المقصود هو موقف الديكتاتور الصلف و المتعنت اللذى لا يضع مكان و مساحة للرأى الاخر و يقود بوعى منه و مع سبق الاصرار الاخرين الى الكارثة .

 15 سبتمبر 2006