بثينة في زمن تداعي الأسود والأبيض

قصة قصيرة 

عدنان زاهر

شمس يوليو (ترمى الصقر من الجو) حينما وقفت بثينة في طرف الحلة بفستانها الأخضر كشجرة جوافة ترمقه بنظرات حيادية . همس في أذنها (ما نمشي لماذون الحي؟!)

أجابت بعد فترة صمت وتأمل (في حاجات كتيرة لا بتتقال لا بتتفهم!). كانت تخاطب نفسها أكثر منه اٍجابة على سؤاله المباشر. ثم استدارت كجندي نظامي ومضت. هبت كتاحة وهطلت أمطار أدهشت المدينة ذلك النهار .

مشهد أول

حدث ذلك في زمن لم تكن بثينة قد هلت بطلعتها بعد ، إبان إجازات المدارس الصيفية ، لم يكن حينها قد دخل المدرسة بعد وعند عودتهم من المدينة التي يعمل بها والده والى المدينة الكبيرة المكتظة بالسكان ، الجو كان خليقا بشواء أرانب في محطة القطارات المزدحمة بكل أنواع البشر . صدى الأصوات المتنافرة استدعى إلى ذاكرته صالة مستشفى ضخم بمرضاه مما جعله يلتصق بوالدته قلقاً وخوفاً . حضر رجل يرتدى زياً متميزاً في اتجاه والده واخبره بعنجهية أن العربة التي طلبها ليسافر فيها مع أسرته محجوزة. رد عليه والده بأنه استوثق بنفسه منذ مدة وجيزة وعلم بان العربة غير مشغولة ثم حاول بعد ذلك إقناعه بكل الوسائل والطرق لكي يوفر مكاناً اخراً ولكن الرجل بالزي المميز رفض في تصميم غريب.  في انفعال وغضب قال الوالد (لو كان دا واحد ود عرب كنت لقيتوا ليهو مكان) كان وقع تلك الكلمات في أذنه وفى ذلك العمر المبكر غريباً ومخيفاً . الرجل ذو الزي المميز لم يكترث لكلام والده ومضى يمارس عمله كأنه لم يكن يتحدث مع أحد قط .

مشهد ثاني

كان في العاشرة وبثينة كانت (تتاتى) في بداية تعليمه الأوسط يجلس في الصف الأول جوار أحد ابناء السادة فجأة دخل عليهم ناظر المدرسة سيد المكان والزمان متجهم الوجه يحمل سوطاً نارياً في يديه يكاد (يطق) غضباً . ذكر بان سرقة قد حدثت في الفصل  ، وانه لابد من معرفة السارق واعادة المسروق ، كما يجب على السارق الخروج طوعا إلى مقدمة الصف . أصاب الجمع داء الصمم . وقف الناظر مترقباً ، ومن ثم بشكل درامي بدا بالتجول داخل الفصل متفرساً في الوجوه بحدة كأنه اله يميز بين المجرم والبرئ.  وصل في اتجاه مقعده نظر إليه بحدة أكثر من الآخرين ثم أمره بالوقوف واٍعادة المسروق فوراً. نهض ببطء ينظر الى الاٍله مشلولاً مذهولاً ثم عاد اليه وعيه تدريجياً وهو يسمعه يصرخ في وجهة سائلاً عن اسمه واسم أسرته . عندما أجابه هدأ الناظر قليلا وتتمم بشكل لا ارادى بأنه لا يمكن لتلك الأسرة التي يعرف بعضا من أفرادها أن تنجب سارقا . جلس وهو يذوب خجلاً ومهانة كان هو الطالب الوحيد في الصف داكن البشرة والذي لا ينتمي لأسرة ذات جذور عربية وبثينة كانت (تتاتى)

مشهد ثالث

أطلت نهيدات بثينة كبراعم الورد ، استطاع هو بعد جهد أن ينمى شارباً مستحياً . في تلك الليلة قرر والأسرة قضاء أمسية في دار للسينما . في ذلك الزمن كان يمكن أن تحجز مكاناً وأنت جالس في منزلك كما يحدث في العالم المتمدن . عند جلوسهم في المكان المحدد لهم في الدار أتى الموظف المسؤول وأمرهم بإخلاء المكان فوراً باعتباره محجوزاً لأسرة أخرى . عند الاحتداد معه والذهاب لمكتب المدير لحسم الأمر ، سال المدير الموظف عن اسم الأسرة التي قام بحجز المكان لها . عندما ذكر اسم الأسرة قال له المدير أنها الأسرة المقصودة وطلب منهم معتذرا العودة إلى أماكنهم . لم يعد فوراً مع الأسرة وظل متلصصاً بجوار مكتب المدير . سمعه يقوم بتوبيخ الموظف المسؤول عن الخطأ الذي قام بارتكابه ، رد عليه الموظف في استعلاء ( ما كنت قايلهم أولاد نوبة).

مداخلة أخيرة

صهيل النيل الأزرق في (تجريدته) الخريفية من كل عام يبعث الخوف والتهيب . يقولون أن بثينة نوارة الفريق قد تلاشت في مياه الفوارة ، لذا لم يمكثوا عند الشاطئ سوى أسبوعاً وعادوا أدراجهم . جلس وحده هنالك فوق (القيفة) ينظر إلى  المياه المعتكرة متأملاً . النيل الأزرق يضاجع الأبيض في عنفوان يجعله يركض أمامه أميالاً ، والمطر لا يكف عن الانهمار ولا يستنكر ما يقوم بفعله الأزرق . ابن عم بثينة قال له ذات مرة (إذا شفناك تانى واقف مع بثينة سنقطعك) ذلك المخنث لم يستطيع حتى استخدام صيغه المفرد في خطابه ولولا أن به شيئا من وسامة بثينة لامتطاه.

حسن الجلابى والدها قال بحكمة مصطنعة انه لا يرى جدوى من امتزاج الأسود والأبيض لان ذلك المزج سيجلب لونا رماديا بلاطعم أو هوية وبثينة تلاشت في النيل بعد اسبوع من زواجها فلمن زفت ، لذلك الفارس القادم من الشمال ؟ أم للنيل الممتزج والمتجه شمالا؟!!

ارتفع النيل حتى حاذى (القيفة) انداح وتمدد حتى داعبت المياه أطراف أصابعه ، أحس بلمسات بثينة التي ألفها واعتادها. وجد نفسه يستجيب لمداعبتها كما يفعل دوماً . بعفوية بدا ببطء يخلع ملابسه فوق تلك (القيفة) حتى اصبح بلا إزار . ألقى بنفسه في النيل حاضنا المياه المتعكرة وبثينة وسابحا حتى تلاشى في الأفق .

15 ديسمبر 2003