الصين؟!

عدنان زاهر

يدفعنى للكتابة عن الصين فى هذا الوقت بالتحديد ثلاث أسباب:

1- العلاقة الصينية المتنامية مع السودان فى اطراد فى كافة المجالات.

2- الموقف السلبى من جانب الحكومة الصينية تجاه ما يجرى فى دارفور، و المؤيد و الداعم بشكل كامل لسياسات الحكومة الملتوية هنالك، وغضها الطرف عما  يجرى  من مآسى و انتهاك لحقوق الانسان. ذلك الموقف الذى دفع كثير من الحركات المسلحة فى دارفور للوقوف ضد الصين و مطالبتها بتبنى سياسة ايجابية تقف مع قضايا المواطنين.

3- الحديث الذى أدلى به المندوب الصينى الخاص للسودان فى مؤتمر صحفى فى واشنطن عن علاقة بلاده بالسودان و قامت بنشره صحيفة الرأى العام السودانية بتاريخ 8-9-2007. ذكر قائلا و هو يرد على الاتهام بأن سياسة بلاده تجاه السودان تحددها استثمارات النفط الصينية هنالك ( الدول الغربية و شركات النفط الغربية تقوم منذ سنوات باعمال تنقيب عن النفط فى أكثر المناطق غنى بالنفط فى العالم). ثم اضاف بعبارة أخرى (أكلتم كل اللحم و لم تتركوا سوى الحساء فى أصعب مناطق العالم ولأننا نرشف قليلا من الحساء، تكال لنا التهم، هل هذا عدل)! !

فى تقديرى ان مناقشة علاقة الصين بدول العالم الثالث، افريقيا و تحديدا السودان يتسم بالتعقيد و التشابك و الحساسية، و لذلك فالموضوع  تجب مناقشته فى اطار ثلاث أشياء:  أ- ان  للصين علاقة تاريخية مع افريقيا بدأت منذ ستينات القرن الماضى، وهى قد قامت بتقديم بعض المساعدات لكثير من الدول الافريقة بعضها يتعلق بالبنية التحتية و الآخر بالخدمات الطبية و بالطبع لا يستطيع أحد انكار ذلك. ب- ان الصين تكسر حدة الاحتكار الامريكى و الغربى للقارة الافريقية و تخفف كثيرا على تلك الدول من قبول بعض الشروط التى يمكن ان تفرض عليها ، كما أن الوجود الصينى الموازى لهيمنة القطب الواحد  يتيح بعض الخيارات للدول الأفريقية. ج- أن موقف الصين الحالى و بناء علاقتها على مبدأ عدم التدخل فى شئون الدول الاخرى و تطبيق ذلك المبدأ  " بشكل هلامى " ادى بها للتعاون مع الانظمة الديكتاتورية التى تضطهد شعوبها ، و التى لا تضع اعتبارا للقانون الدولى وتنتهك حقوق الانسان ومن ثم وسم مواقفها بالانتهازية.

علاقة الصين الاقتصادية مع افريقيا متعددة المجالات، واسعة و متطورة، وهى تشمل مواد النفط و المواد الخام و السلاح. كما أن افريقيا سوق مفتوح للمنتوجات الصينية.  أهم الدول التى لها علاقات متميزة مع الصين هى، انجولا، نيجيريا، السودان، الجزائر، زمبابوى، كينيا، رواندا و حتى تونس. ظلت الصين مصدر السلاح الاساسى فى نزاعات ليبيريا، سراليون و ساحل العاج.

الاحصائيات تقول ان حجم التبادل التجارى السنوى بين الصين و افريقيا كان عام 1999 5.6 مليار دولار. ارتفع فى العام 2004-2005 الى 32.2 مليار دولار و معدل التجارة بين الصين و افريقيا ينمو بمعدل أسرع من 50% فى المتوسط سنويا. كما تشير التقديرات العالمية الى أن 25 فى المائة من واردات الصين الاجمالية من النفط تأتى حاليا من افريقيا.

علاقة الصين بالسودان متميزة و متنوعة فى زمن حكم الانقاذ، فالسودان يمد الصين بنسبة 7% من وارداتها الاجمالية من النفط،، و الشركة الوطنية الصينية هى أكبر مساهم منفرد فى شركة النيل الأبيض للبترول. الصين قد استثمرت 3 مليارات دولار فى انشاء مصافى النفط و خطوط الانابيب فى السودان منذ 1999. وهى مورد أساسى للسلاح للسودان و قد ساعدت فى قيام مصانع الاسلحة الثلاث  فى السودان. وزادت مبيعات السلاح 25 ضعفا ما بين 2002 و 2005.

الصين فى علاقتها مع الدول الأخرى و هى تستند على مبدأ "عدم التدخل فى شئون الدول" و تستخدمه بمعزل عن ممارسة تلك الدولة المعنية بالقانون الدولى و حقوق الانسان جعل ذلك المبدأ يتطابق و القول التاريخ اسلامى " دعوة حق اريد بها باطل"  ، فهى انطلاقا من ذلك الموقف:

1- أصبحت تدعم ا لعديد من الدول الافريقية ذات الانظمة الديكتاتورية التى تقوم باضطهاد شعوبها كما يحدث فى زمبابوى و السودان. و اذا اخذنا السودان نموذجا فهى تعلم تمام العلم ان 80% من عائدات البترول تستخدم لشراء الاسلحة التى استخدمت فى الماضى فى جنوب السودان  و تستخدم اليوم فى دارفور.

2- تستغل مركزها فى الامم المتحدة لتعويق اى قرار يمكن ان يكبح به حلفائها او المتعاونين معها و المنتهكين للقانون الدولى حتى لو أدى ذلك للوقوف ضد الشرعية الدولية و ضد المجتمع الدولى حفاظا على مصالحها .

ان حديث المندوب الخاص للصين فى السودان فى مؤتمره الصحفى و هو يرد على الاتهام بأن سياسة الصين الخارجية مع الدول تحددها استثماراتها دون الالتفات لحقوق الانسان و ذلك  بقوله ( أكلتم كل اللحم و لم تتركوا سوى الحساء فى أصعب مناطق العالم مناطق العالم و للأننا نرشف قليلا من الحساء تكال الينا التهم ) ، يجسد موقف الصين الآنى المتماهى مع الاستعمار القديم. فكلماته يمكن ان تترجم كالآتى (لماذا لا ناخذ من افريقيا كما اخذتم انتم فى الماضى)، او هو يردد قول الشاعر (حلال على بلابلة الدوح... حرام للطير من كل جنس) . تلك ظلال من موقف استعمارى تجد لها  متنفس أحيانا و بالغفلة كما عبر عنه المندوب الصينى.

فى مقال ل د. سمير أمين نشر فى مجلة الطريق عام 2003 بعنوان "هل اشتراكية السوق مرحلة فى التحول الاشتراكى أم طريق مختصر الى الرأسمالية" كتب قائلا (لقد اختارت الطبقة الحاكمة الطريق الرأسمالى، ان لم يكن منذ ايام دنج فعلى الاقل بعده، لكنها لا تعترف بذلك. و السبب فى ذلك انها تستمد شرعيتها بالكامل من الثورة، و هى لا تستطيع التنكر لهذه الثورة لأن هذا التنكر يعنى الانتحار).

(ان المشروع الحقيقى للطبقة الحاكمة الصينية ذو طبيعة رأسمالية و بذلك تكون " اشتراكية السوق" طريق مختصرلبناء الهياكل الاساسية للرأسمالية و مؤسساتها). قول قد يختلف معه فيه البعض و لكنه يظل تقييم لمفكر مرتفع القامة لما يجرى فى الصين من تضارب في المواقف المبدأية والسياسات.

ان موقف الصين الحالى فى علاقتها مع الدول الاخرى تشوبه انتهازية لا تخطئها العين، و تلك المواقف - اضافة لما تلحقه من ضرر بشعوب كثير من البلدان- فهى تتعارض و تنأى عن المبادئ  الاشتركية التى تنادى بالوقوف  ضد الاستغلال، و ضد كل ما ينتهك و ينتقص من الحقوق الاساسية للانسان، و هو ما ظلت تبشر و  تنادى به الصين منذ عدة عقود! !

15-11-2007