عندما يموت الديكتاتور أكثر من مرة !!!

عدنان زاهر

مات متخفيا وهو تحت الاقامة الجبرية فى منزله، وبمستشفى عسكرى فى سنتياجو عن عمر يناهز ال 91 عاما ديكتاتور شيلى السابق " اوغستو بنوشية" اثر نوبة قلبية ، بعد ان ظل يكابد الامراض طيلة سنين عمره الاخيرة.

بنوشية جثم على السلطة بعد قيامه بانقلاب عسكرى متشحا بالعنف والدماء على حكومة الرئيس "سلفادور اليندى" المنتخبة ديمقراطيا والمبشرة بالعدالة الاجتماعية. خلال سنين حكمه الممتد من العام 1973 وحتى العام 1990 ارتكب مجازر بشعة ضد معارضيه والقوى الديمقرطية تحديدا، فاق تعداد ضحاياه فى الشهور الاولى لحكمه الثلاثة ألف  قتيل ، كما تم اختفاء المئات من اللذين اعتقلوا بواسطة جهاز أمنه السرى ، كما يقدر من أخضع للتعذيب ابان فترة حكمه أكثر من 30 الف شخص.

يحكى عن الديكتاتور بنوشية انه قال مازحا  وهو يجيب على اسئلة " اللجنة القومية الشيلية للمصالحة والحقيقة" والتى شكلت بعد ازاحته وهى تسأله عن قبور جماعية تعود الى فترة حكمه، اجاب "انها طريقة متقنة للتخلص من جثث الضحايا الضخم."

ظل بنوشية طيلة الستة عشر عاما وهو بعيد عن السلطة مطاردا من قبل العدالة وهدفا لمئات القضايا التى اقيمت فى مواجهته متهما ، بالاحتيال والفساد وارتكابه لجرائم تتعلق بانتهاك حقوق الانسان. عندما اعيد الى سنتياجو من لندن حكمت عليه المحكمة العليا الشيلية بالبقاء رهن الاقامة الجبرية فى منزله باعتباره غير مؤهل من الناحية النفسية والصحية للمحاكمة. الديكتاتور اصبح يعانى من مرض السكرى اللذى أنهك قواه، يحمل فى صدره جهاز لتنظيم ضربات القلب، وذاكرة خربة وهرمة يحتل جلها صور ضحاياه.

اوغستو بنوشية تتجسد فيه كل صفات ومساؤى السفاح وهو نموذج حقيقى للديكتاتور ماصص الدماء،طالت يده الآثمة كل قطاعات الشعب الشيلى، فنانين، كتاب، محامين، مثقفين، مهندسين وعمال نقابين مما ترك أثره لاحقا على النسيج الاجتماعى والثقافى الشيلى.

لم يكتفى الديكتاتوربتصفياته الداخلية المفجعة ، بل قام ومعه عصبة من ديكتاتورى أمريكا اللاتينية هم، ديكتاتور بوليفيا هوجو بانزير، جنرال الارجنتين جورج فيلدا، ورئيس دولة بارجواى السابق الفردوسترنير بتكوين أكبر جهاز لتصفية المعارضين فى امريكا اللاتينية، وفى عملية أطلق عليها اسم "كندور" الهدف المعلن عنها انها عملية تستهدف الارهاب قاموا بتصفية كل القوى المناهضة للديكتاتورية وشمل القتل الضحايا واسرهم واصدقاءهم. ولوحق المعارضين فى الخارج، وتم تصفية البعض منهم فى فرنسا، البرتغال، اسبانيا ثم ايطاليا. تم ذلك بمباركة ومساندة  الحكومية الامريكية تحت رئاسة نيكسون ووزير خارجيته هنرى كيسنجر.

قال ابن الدكتاتور بنوشية  وهو يرد على اسئلة الصحفيين بعد وفاة والده، بأن والده قد أوصى بأن يحرق جثمانه خوفا من ان يقوم البعض بتدنيس قبره، ذكرالأبن أن والده قد قال "الناس يكرهوني كثيرا"

السؤال الطبيعي الذي يقفز الى ذهن أي قارئ وهو يطلع على تلك الوصية، هل فعل الديكتاتور  شيئا حسنا من أجل الانسان يجعل البعض يلهج بشكره  أو تمجيد ذكراه؟!!

بنوشيه وهو يركض لاهثا ومتنقلا بين دول العالم للحفاظ على حياته، مات وهو يقوم بهروبه ذلك  أكثر من مرة.

المرة الاولى: عندما طاردته العدالة ومنظمات حقوق الانسان في كل بقعة من العالم حط بها للجرائم البشعة التي قام بارتكابها، وأخيرا بعد أن أجبر على البقاء رهن الاعتقال المنزلى.

المرة الثانية: عندما تخلت عنه امريكا وأصبح منبوذا بعد أن قام بتنفيذ كل أجندتها في القارة اللاتنية، بأعتباره شخصا غير مرغوب الاتصال به لأنه يسئ  الى مبدأ الديموقراطية و حقوق الانسان التي تدعو لهما أمريكا.

المرة الثالثة: عندما شاهد بعينيه، زملائه في السلطة من دكتاتوريَِّّ  أمريكا اللاتنية يزاحون من مواقعهم الواحد تلو الاخر ويحاكمون بما قاموا من اٍٍٍٍٍٍقترافه من جرائم ضد شعوبهم. ثم شاهد رياح الديموقراطية تهب على انظمة الحكم في امريكا اللاتينية آتية الى سدة  الحكم عن طريق الديموقراطية في فنزويلا- هوغو شافي، بوليفيا- ابقو موراليس ، البرازيل- لويز ايناسيو لولا داسيلفا، الارجنتين- نيسترو كيرشنر، اوروغواي - تابارى فاسكويز، شيلي- الطبيبة والسجينة السياسية السابقة ميشيل باشيلية، واخيرا قبل بضعة أيام فوز اورتيجا في الانتخابات الرئاسية في نيكاراجوا.

المرة الرابعة: عندما لم يجد الديكتاتور  شبرا في ارض الله الواسعة ليواري جثمانه فيه، خوفا من الاعتداء على قبره وتدنيسه "كما يعتقد هو".

أخيرا نسأل هل وصلت الرسالة غير المشفرة لقاتلي شهداء الديموقراطية في وطننا السودان؟! وهل وجد مرتكبي جرائم الابادة، جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية فى دارفور وقتا للاطلاع عليها؟!!

14 ديسمبر 2006