"لستة" عمر

عدنان زاهر

خيم صمت مستريب وغير مألوف ذلك اليوم ، زاد من وطأته اختفاء طائر "السمبر" الذي يداوم على الحضور صباحا لتناول الطعام. انتصف النهار ولم يأت أحد من "المنتظرين" للعمل دخل القسم كما درجت العادة. حط قلق متنامي على الجميع رغم التظاهر بعدم الاٍكتراث. فجأة ظهر أحد المنظرين لقضاء بعض حوائجه. سأله أحدنا بلهفة عما يجري. أجاب بصوت خافت ومهتز "المأمور" عمر حضر من الخرطوم" وخرج من القسم مسرعا كملسوع.

اٍذا ذلك القول يلقي قليلا من الضوء عما يدور ذلك اليوم. عمر "المأمور"  يحرص على السفر للخرطوم كل ثلاثة أشهر أي أربع مرات في العام، ويحرص أكثر عند عودته على اٍحضار قائمة بأسماء بعض المنتظرين لتنفيذ عقوبة الاٍعدام عليهم. ذلك الاٍهتمام من المأمور شبيه بحرصه على تناول وجباته "المبرشتة" من تعيينات المسجونين – وبانتظام – صارم خمسة مرات في اليوم حتى قيل أن الحراس في ذلك السجن يضبطون عليها ساعاتهم.

يقول "المعاودون" السجن لفترات طويلة أن للمأمور عمر طقوسه الخاصة في اشهار قائمة "الموتى" التي يحضرها معه. فهو حين يأتي من الخرطوم يتباطأ كثيراً في الذهاب الى قسم المنتظرين، المترقبين لهفة لمعرفة مصيرهم. يظل متحركاً من مكان اٍلى آخر مبدياً اهتمامه وملاحظاته بأشياء هامشية في شئون السجن وتنظيمه. في منتصف اليوم الثالث وفي تمام الساعة الواحدة ظهراً ، وحينما تكون حرارة الشمس في تلك البقعة من العالم مساوية لحرارة جهنم يدخل قسم المنتظرين محاطاً بحاشية من الجنود المدججين بالسلاح وضابطين. يتحرك بتؤدة وعظمة كأحد أبطال مسرحية لشكسبير تعرض في أشهر مسارح لندن. يقف المنتظرون وهم يرتجفون ويتصببون عرقاً وهلعاً ونظراتهم تجوس في الفضاء البعيد بلا معنى وبلا هدف. يظل يتجول وسطهم ببطء "كقرش" جائع وهو يتفرس في الوجوه الوجلة. بغتة يقف أمام أحدهم ، عند ذلك ينقض الحراس على ذلك الشخص و يكبلونه بالحديد إضافة إلى القيود التي كان يحملها أصلاً. عمر "المأمور" يشاهد منتشي وهو يتابع المنتظر والرعب المرتسم على وجهه ينتفض كطائر مذبوح في محاولة يائسة وأخيرة  للاٍفلات من حبل المشنقة. في تلك اللحظة بالتحديد يخرج علبة سجائره الفضية الأنيقة ، يشعل سيجارة ثم ينفث من فمه بتلذذ دخاناً متموجاً ثم يبدأ التفتيش عن الضحية الأخرى.

"جابر" ذلك الاٍنسان الرائع والنقي ، حاد الذكاء والذي كان يحظى بمعاملة خاصة من قبلنا ، وتربطه علاقة ودودة بي، ذكر لي قبل أيام ونحن نتجاذب أطراف الحديث تحت شجرة "اللالوبة" الوحيدة المنتصبة بشموخ في ذلك القسم الذي نقيم فيه والمتحدية للتصحر في ذلك المكان ، بأنه لا يريد أن يموت فثمة أشياء كثيرة يريد تحقيقها. أكدت له بثقة متناهية كما لو كنت أملك تفويضاً بعلم الغيب "أنه سوف يعيش لأرذل العمر حتى يرى أحفاد أحفاده". كنت أعلم أني أقول له ذلك كاذباً ، ولكن نظراته الباحثة عن يقين بعدم الموت كانت وراء اٍجابتي المطلقة والموغلة في التفاؤل. اٍبتسم جابر ابتسامة عجزت عن فك طلاسيمها ثم شكرني برقة وصدق وذهب.

جال بخاطري ذلك الحديث وأنا أفكر ماذا يدور في هذه اللحظة في قسم المنتظرين والشمس المتجهمة المتعطشة للدماء تطل بوجهها المكسو شراسة في منتصف السماء. انتابني في تلك اللحظة احساس بأن كل من كان في قسمنا ينوء بحمل ذلك الكابوس والتفكير الكئيب. جابر قال أنه كان يقوم بالمراقبة والحراسة فقط وذلك لعدم رغبته في المشاركة، ولصغر سنه في ذلك الوقت وفعل ذلك مجاملة لأخويه فقط وأكد أنه لم يبح بذلك القول لأحد من قبل . جابر كان في الثامنة عشر وقت وقوع الحدث وهو الآن في الثانية والعشرين من العمر. مما زاد من قلقي وتكدري أنني كنت أعلم أن مايصدق جابر فيه من قول لن يقف أمام احتمال اعدامه . لاٍزاحة ذلك الجو الثقيل وكسر القلق قررنا وصديقين آخرين أن نقوم بزيارة خاطفة للقسم الآخر الذي يوجد فيه بعض من أصدقاءنا. في العادة تقفل كل الأقسام في ذلك السجن حينما تكون هناك عقوبة بالاٍعدام يراد تنفيذها على بعض المنتظرين. عند وصولنا باب القسم، وجدنا أنه غير مغلق ، ذلك بث في أنفسنا بعض الراحة وخفف كثيرا من الكآبة المرتسمة على وجوهنا. تمسكنا بأمل ضعيف لعله يصدق، ولعل وعسى ما يراود مخيلتنا ونتوقعه ألا يحدث. قضينا وقتاً ممتعاً ونحن نتجاذب أطراف الحديث ونتبادل النكات القفشات ، بعدها قررنا الرجوع الى أماكننا . كان الباب لا زال موارباً ، عند أول خطوة خارج ذلك القسم اصطدمت أبصارنا بثلاثة أشخاص يتحركون ببطء من كثرة ما تراكم عليهم من قيود وأمامهم المأمور ومن حولهم جنود يتحركون ببطء أكثر منهم من  كثرة ما "تدرعون" به  من سلاح. كان أولئك الرجال الثلاثة هم جابر و أخويه الكبيرين. وقفنا متسمرين في أماكننا.

فوجئ المأمور بوجودنا في ذلك المكان ولكن لم يكن بوسعه أن يفعل شيئا وكنا على مسافة متقاربة. ويبدو أن الحارس المكلف قد نسي اغلاق القسمين الذين نعيش فيهما. عندما مر ذلك الموكب من أمامنا ، رفع الرجال الثلاثة أياديهم المكبلة ، بثقل ولكن بقوة ثم قالوا (يا جماعة نحن مسافرين العفو والعافية.) لم استطع النظر في وجه جابر ولكني ميزت صوته الثابت والثاقب من بين صوت أخويه. تحدث السجن شهوراً متعددة عن شجاعتهم وثباتهم في مواجهة  الموت وكانوا كثيراً ما يخصون جابر بالمديح والاٍعجاب.

بعد اٍطلاق سراحنا وبعض مضي وقت طويل كنت أتبادل ذكريات تلك الفترة مع أحد الأصدقاء ، علمت أن المأمور عمر قد ترقى جنرالاً ولا يزال في ذلك السجن النائي والبعيد يمارس هوايته القاتلة.

 13 يوليو 2005