هل صناعة المستقبل في السودان حكراً للرجال؟!!

عدنان زاهر

منذ فترة ليست بالقصيرة انتويت الكتابة في هذا الموضوع أي موضوع المرأة والسودان الجديد. كان يحفزني دائما للكتابة عاملين-

العامل الأول:  أن السودان يمر بمرحلة دقيقة وحاسمة من مراحل تطوره السياسي كما أن الأحداث الجارية الآن – أردنا أم لم نرد – سوف تكون القاعدة والمادة الأساسية في تشكله المستقبلي. بكلمات أكثر تحديداً فاٍن السودان الآن يخلق من جديد وملامحه الآتية سوف يصبغها لون الزخم المتواتر الآن.

العامل الثاني: لاحظت – بأسف شديد – أن تلك العملية الجارية الآن أي عملية الخلق وتشكيل السودان الجديد قد تمت وتتم بمعزل عن قوى أساسية في المجتمع تلك القوى هي النساء (المرأة). وأن ذلك العزل والتهميش يعطي المتابع والقارئ للأحداث انه قد تم بوعي شديد ونظرة مستبطنة وحياتية ضد المرأة عموماً لا يفصح عنها علناً.

·  قرأت في الاٍتفاقية الموقعة بين حكومة السودان والتجمع الوطني المعارض بتاريخ 16/1/2005 الفقرة 1-4 ما يلي ( يؤمن الطرفان على أن للمرأة السودانية دوراً أساسياً في تحقيق السلام والديمقراطية والتنمية في البلاد ويؤكد على اشراكها في مواقع اتخاذ القرار على كافة المستويات. ) أثارت تلك الفقرة دهشتي وحنقي في آن واحد وتساءلت هل يؤمن حقيقة موقعي تلك الوثيقة بماء جاء في تلك الفقرة؟! أم أن تلك الفقرة (حشرت حشراً) في تلك الاٍتفاقية لزوم الديكور و(البهارات) التي تزين بها عادة مثل تلك الاٍتفاقيات في السودان حين تناول قضية المرأة وذلك دلالة للاٍهتمام بها وموقعها المتميز في تطور المجتمعات. تلك في اقتناعي مادة وعلى احسن تقدير للتمويه وخداع الآخر.

اٍبتداءا نود أن نؤكد مبدأ نؤمن به وهي أن المشاركة في العمل العام والعمل السياسي لا يحدد بالنوع بقدر ما تحدده جدية المشاركة والاٍلتزام بقضايا الناس (الغلابة). اٍضافة الى الاٍيمان الحقيقي بان الشعوب يجب أن تعيش حياة كريمة وحرة ومتساوية الحقوق والواجبات. ولكي لا نصدر أحكام مطلقة فلذلك المبدأ اٍستثناءات في بعض الأحيان وقد تشرك فئة أو أخرى اجتماعية لظروف و أسباب تتعلق بتطور المجتمع السياسي والاٍقتصادي والاٍجتماعي أو لظروف متعلقة بالأقليات الاٍثنية في المجتمع.

· حضور المرأة في التاريخ السياسي والاٍجتماعي والثقافي في السودان قوي ومشرق ولا يمكن الاٍشاحة عنه أو تجاهله واٍهماله. ودون الولوج في تفاصيل توجد بين ثنايا كتب التاريخ المتناثرة ، فالمرأة منذ الكنداكات مرورا بممالك الفور والسلطنة الزرقاء لعبت دوراً مميزا في الدولة والمجتمع. واستمر فيض ذلك العطاء من جانب المرأة فشاركت متساوية القامة مع كل فئات المجتمع الأخرى النضال ضد المستعمر حتى نال السودان اٍستقلاله.

· في ظل الحكومات الوطنية شاركت المرأة بحيوية في فترات الديمقراطية القليلة المتاحة ، وبضراوة و تضحية في أوقات الحكومات الديكتاتورية التي خيمت على أغلب سنين حكمنا الوطني ، مما أهلها لاحقاً لدخول برلمان الشعب ولتتبوأ مراكز متقدمة وقيادية في المجتمع والدولة. لم يختصر عطاء المرأة في الجهد السياسي بل تركت بصمات واضحة في الجبهة الثقافية والاٍجتماعية والأدبية .

· أما في زمن الديكتاتورية الثالثة (الاٍنقاذ) وبصفة خاصة ، فقد كان دورها النضالي بارزاً ومتساوياً مع الفئات الأخرى في التضحية اٍن لم يكن متقدماً عليها. فهي قد أحيلت للصالح العام ، اعتقلت وسجنت لفترات طويلة ، عذبت واضطهدت ونالت نصيبها من التشرد في المنافي البعيدة ، ذلك على مستوى التبعات والفعل السياسي المباشر.

أما على مستوى الفعل غير المباشر وتحمل المسئولية فهي لوحدها التي تحملت أعباء الأسرة طيلة غياب الزوج بالاٍعتقال ، السجن، التشرد أو الهروب فقط من مسئوليات الأسرة وعدم القدرة على مجابهة صعوبات الحياة. هل يستوجب علينا أن نضرب مثلا بالنساء البائعات والأطفال في حجورهن على امتداد شوارع العاصمة القومية والمدن الأخرى يطاردن الرزق حتى (أنصاص) الليالي!

· يذكرني التعامل مع قضية المرأة من قبل القوى السياسية السودانية بموقف شبيه كانت تتعامل به نفس القوى مع الجنوبيين ومشاركتهم في السلطة . فقد درجت على تعيين وزير جنوبي في التشكيل الوزاري تسند اليه وزارة الثروة الحيوانية كدليل لمشاركة الجنوبيين في الحكم ومحاولة لعكس اهتمامها بذلك الجزء المغيب من الوطن. واستمر ذلك النهج منذ الاٍستقلال وحتى دخول الجنوبيين الغابة لتغيير ذلك النهج وقد نجحوا في ذلك. ويمارس الآن نفس ذلك الأسلوب القديم مع المرأة للاٍيهام بأنها تعطى نفس الحقوق وعليها نفس الواجبات. وتعين كالعادة وزير دولة في وزارة الصحة أو المالية!

· التجمع الوطني الديمقراطي في المؤتمر الختامي لمؤتمر القضايا المصيرية المنعقد بأسمرة في الفترة من 15-23 يونيو 1995. رغم الظروف المواتية والمستجدة لمشاركة المرأة في التجمع لم يفلح في تجسيد موقف المرأة الحقيقي تجاه قضايا الوطن وحقوقها، بل قيده وصادره في المادة 5 التي جاء فيها ما يلي: (يلتزم التجمع الوطني الديمقراطي بصيانة كرامة المرأة السودانية ويؤكد على دورها في الحركة الوطنية السودانية ويعترف لها بالحقوق والواجبات المضمنة في العهود والمواثيق الدولية بما لا يتعارض مع الأديان.) ما جاء في ذيل هذه المادة قد قيد ما نص عليه ابتداءا. ورغم أن التجمع حاول الخروج من تلك المادة لاحقا والتي وجدت اعتراضا من جماهير النساء بتكوين هيكل نسائي للتجمع النسوي ووعد بعقد مؤتمر للنساء في الأراضي المحررة لاٍختيار من يمثلهن في التجمع اٍلا أن ذلك لم يتم!!

وفي تقديري أن كل تلك الاٍخفاقات تجاه المرأة ترتبط اٍلى حد كبير بالموقف الذي عبرت عنه المادة 5 والذي سوف ينعكس لاحقاَ في شكل تكوين الوفود المشاركة في اٍجتماع القاهرة.

· جرت ثلاثة مفاضات في ثلاثة أماكن مختلفة (نيفاشا – أبوجا – القاهرة) جوهرها يتعلق بتطور السودان وناقشت كل القضايا اٍبتداءا من قسمة السلطة والثروة وانتهاءا بقضايا الحرب والسلام. ومما يلفت النظر أن الوفود المشكلة واللجان المساعدة في المفاوضات قد استثنت العنصر النسائي ما عدا فصيل البجا والذي انسحب في ذلك الوقت من مفاوضات القاهرة.

· لمفاوضات القاهرة قد كونت لجان استشارية للاٍستفادة برأيها في المفاوضات وقد شملت تلك اللجان الجوانب الأمنية والعسكرية ، الاٍقتصادية ، الاٍجتماعية ، والقانونية (درء المظالم ورد الحقوق) و اختيرت لها شخصيات من مختلف قطاع العالم تمثل مختلف الخبرات. ولم يتم اختيار أي من النساء في تلك اللجان !! وأتساءل ألا يوجد من أصحاب تلك التخصصات والخبرات أحد من النساء؟! وعلى أي أسس تم ذلك الاٍختيار؟! وهل يمكن أن تعزل المرأة من المشاركة في الاٍدلاء برأيها في تلك القضايا وهي التي بذلت كل ما تستطيع من جهد في الوصول لحلول لقضايا الوطن؟! وكيف يفسر هذا الموقف المتناقض لما جاء في المادة 1-4 ( للمرأة دوراً أساسياً في تحقيق السلام والديمقراطية والتنمية)؟!

السودان واحد من الدول الأفريقية القليلة التي أجادت فيها المرأة كل التخصصات وبرزت فيها وصارت خبيرة على المستوى المحلي والدولي ويؤخذ ويستنار برأيها.

· لا أعتقد أن هنالك سبباً واحداً  ومعقولاً ووجيهاً لاٍبعاد المرأة من المشاركة في عملية التغيير السياسي الذي يجرى الآن. كما ليس مقبولاً أن تبعد المرأة وهي التي شاركت النضال جنبا اٍلى جنب مع أولئك الذين يتولون أمر هذه المفاوضات اليوم . كما لا يمكن بناء سودان ديمقراطي جديد بدون اٍعطاء المرأة حقوقها ومكانتها التي هي أهلاً لها . وأخيرا يستحيل بناء سودان جديد بثلاثة أرجل لأنه سوف يتكـئ عاجلاً أم آجلاً. فهل نعي سادتي ذلك قبل فوات الأوان!

13 فبراير 2005