هل ينقسم تاريخ استقلال السودان اٍلى عدة تواريخ أخر؟!
عدنان زاهر
● مر عيد الاستقلال هذا العام بحياء وهو يحاول جاهدا عدم التواري كليا، وقد كان بحق عيدا حزينا، باهتا، ملئ بالثقوب والأحلام المجهضة. لذلك لم تكن مصادفة أن يلاحظ المتابع قلة الأقلام التي تناولت موضوعه، أو المقالات التي احتفت بقدومه مقارنة بكل السنوات التي مضت. في تقديري أن ذلك الفتور البادي في مقابلة الاستقلال والترحاب به، يعزى لأسباب من الصعوبة تفادي رؤيتها، تجاهلها أو الاٍشاحة عنها. أهم تلك الأسباب هي:
1. الاحباط الذي يلازم كثير من المواطنين بعد مضي عام من التوقيع على اتفاقية السلام بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، وعدم تلمس المواطن لتغيير جذري أو طفيف في حياته. الأزمة الاٍقتصادية الخانقة لا زالت تمسك بتلابيب الوطن، المعاناة هي نفس المعاناة السابقة والحياة الاجتماعية التي يعيشها في تدهور مريع، وهو يلاحظ العراقيل المفتعلة التي تضعها السلطة في سبيل عدم تنفيذ تلك الاٍتفاقيات. اٍضافة الى كل ذلك فالمواطن يحس بالشفقة وهو يشاهد بوادر خلاف داخل الحركة الشعبية تجهد في مداراته، واخفاق في ادارة الحكم تمثل في عدم دفع رواتب الجنود لعدة أشهر واعتصامهم بضريح جون قرنق. وهي رسالة واضحة تعبر عن عدم الرضى عن الطريقة التي تدير بها القيادة التنظيم.
2. السلطة رغم تشدقها بشعارات الديمقراطية وبسط الحريات فهي تمارس خداعها القديم، وتفعل شيئا مغايرا تماما في الواقع. سلطة الانقاذ تنتهك كل الحريات وبشتى السبل والمبررات، تمارس الاعتقال التحفظي، تقفل وتصادر الصحف دون ابداء أي سبب وأحيانا لأسباب واهية، تشرد العاملين وتعذب المعتقلين...الخ القائمة السوداء التي بدت بها سنين حكمها. هذا من جانب، أما من الجانب الآخر فهو السكون ولا أقول السبات الذي يلازم حركة القوى السياسية الفاعلة، وازدواجية الرؤى لديها، وتعاملها بردود الفعل والقطاعي تجاه بعض قضايا الوطن المصيرية.
3. الحروب المدمرة والمستعرة في معظم أرجاء القطر، وبالتحديد مأساة دارفور والقتل والعنف الذي تمارسه السلطة وماليشاتها هنالك وعنجهيتها في رفض أي مقترح لحل المشكلة.
● الاستقلال لم يكن سهلا كما يعتقد البعض، ولم يكن منحة من أحد، وقد أتى نتيجة لنضال طويل وقاسي قام به الشعب السوداني منذ هزيمة قوات المهدية في معركة كرري أمام الجيش الانجليزي- المصري الغازي. ذلك النضال ضد المستعمر شمل كل أقاليم السودان دون استثناء، بعض من وقائع ذلك النضال قد تم توثيقها والبعض الآخر لم يوثق لأسباب لا يسع المجال لذكرها هنا. على سبيل المثال وليس الحصر نذكر بعض من تلك المواقف البطولية. بطولات جبال النوبة، دارفور (علي دينار – السحيني)، الجزيرة (ود حبوبة)، انتفاضات الدينكا، الزاندي، الأنواك، النوير في الجنوب...الخ. توج ذلك النضال المستمر بثورة 1924 بقيادة علي عبداللطيف وعبدالفضيل الماظ، ومن ثم بعد ذلك الحركة الوطنية الحديثة. اذن استقلال السودان لم يأتي من فراغ........دماء سالت لتروي أرض الوطن، أسر تيتمت، ورجال تم نفيهم من أرض الوطن حتى مماتهم (علي عبداللطيف).
● معضلة السودان الحقيقية بعد استقلاله، كانت الحكومات العسكرية التي تعاقبت على حكمه، هنالك قول مأثور يتناقله العامة في مجالسهم "أن من يصحى مبكرا في السودان يستلم السلطة". تلك الحكومات العسكرية المتتالية على حكم السودان لم تكن فقط سببا في عرقلة تطوره بل كانت وبالا على يوم استقلاله. صارت ذكرى يوم الاستقلال هو "العدو رقم واحد" لتلك الأنظمة العسكرية. أصبحت تلك السلطات تمجد ذكرى انقلابها أكثر من عيد استقلال الوطن، ولم تعبأ بأن الاستقلال هو رمز لوحدة أرجائة المترامية. الاحتفالات التي كانت ومازال يتم الاحتفاء بها هي، ذكرى 17 نوفمبر (عبود)، 25 مايو (نميري)، 30 يونيو (عمر البشير). صار الاحتفال بالاستقلال يتم وفقا للظروف السياسية لكل سلطة تحكم السودان ومدى الانتفاع به لدعم نظامها السياسي. ذلك الموقف كان يعني محاولة انكار أو التقليل مما قام به الرواد الأوائل في سبيل استقلال الوطن اٍضافة الى الاهمال المتعمد في نشر ثقافة الوطنية والوحدة بين المواطنين.
● الانقاذ كانت المحنة والطامة الكبرى، ليس فقط على الاٍستقلال بل على كل ذكرى الأعياد الوطنية الأخرى ذات الامتداد القومي، ثورة أكتوبر 1964، انتفاضة مارس-أبريل 1985. هي تعتقد أن الحديث عن تلك الأعياد أو تمجيد ذكراها ومحاولة الاستفادة من تجاربها أو الالتصاق بشعاراتها، يعني لديها الانتقاص والتعارض بما تقوم بطرحه فعملت بكل الطرق على قبر ذكرى تلك الأعياد.
● التجاهل، الاٍهمال المتعمد، التعالي وقسمة السلطة والثروة "الضيزي" بين المركز والأقاليم يطرح في ذكرىاستقلال الوطن سؤالا مشروعا، هل يمكن أن ينقسم ذكرى استقلال الوطن الى عدة تواريخ أخر؟! بكلمات أخرى هل يقوم كل أقليم بتحديد ما يعتقد أنه يوم استقلاله؟!.....مثال لذلك أن تعلن الحركة أن يوم استقلالها الحقيقي هو يوم توقيع اتفاقية السلام، أو تعلن جبهة الشرق مثلا أن يوم استقلالها........
● أن ما نقوم بطرحه ليس افتراضا معلقا في الفضاء بل استقراءا موضوعيا للواقع ولما يجري أمام عيوننا في السودان. في تقديري أن تجنب ذلك المصير يتأتى فقط بأن يعطى المواطن الاحساس بأن ذلك الاستقلال هو نتيجة لنضال كل أفراد الشعب السوداني، هو البداية لتنفيذ أجندة ما بعد الاستقلال وهي لا زالت "تنتظر" بعد مضي نصف قرن من الزمان، هو اليوم الذي نستلهم ذكراه "لحلحلة" مشاكلنا العالقة. كما يجب أن يؤكد أن الاستقلال هو الرمز لوحدةالوطن، النضال ضد الطغيان والظلم، وهو رمز للحرية والعدالة الاٍجتماعية......عندما يتم ذلك فقط نتفادى مسألة تقسيم الاٍستقلال أو الوطن سيان.
13 يناير 2007