الاٍعادة لم تعلمنا غير تكرار الخطأ
عدنان زاهر
في المناقشات العميقة والمسئولة التي سبقت انشاء المحكمة الجنائية الدولية (I C C) International criminal court ، وفي المؤتمرات المكثفة التي انعقدت للتحضير والتمهيد لاٍعلان هذا الحدث الذي يعتبر أهم اٍنجازات البشرية في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة . اتفقت آراء كل فقهاء القانون على أن أحد أهم الأسباب التي عطلت تنفيذ العدالة في التجارب الاٍنسانية السابقة وأدت الى اٍفلات أولئك المرتكبين لجرائم ضد الاٍنسانية وجرائم ضد شعوبهم ، وانتهاكات وتجاوزات تقع تحت طائلة القوانين الوطنية والدولية هي المساومات والصفقات التي تتم (عشية) اٍنتقال السلطة من القوة الحاكمة لطرف آخر منافس لها أو حتى تقسيم ومشاركة السلطة والثروة بين القوى المسيطرة والمهيمنة وبين قوى أخرى تتطلع للاٍمساك بالسلطة.
وعادة ما تتمثل تلك الصفقات في شكل اٍعفاء مباشر من المسئولية أو من خلال وعود وصكوك غفران تعطى بضمانات من الدول العظمى المهيمنة على الساحة الدولية والتي غالبا ما تكون لها مصالح (اٍستراتيجية) تدفعها لاٍنهاء ذلك النزاع .
أسوق تلك المعلومة وأنا أتابع باهتمام بالغ وفضول – مثلي ومثل بقية أفراد الشعب السوداني- المحادثات التي جرت وتجري حاليا بين حكومة الاٍنقاذ الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان ، وما تمخض عنها من نتائج وقرارات بعضها معلن والبعض الآخر طي الكتمان .
اٍبتداءا لا بد من التأكيد أن أي خطوة في اتجاه اٍنهاء حرب استمرت أكثر من عقدين من الزمان ومات فيها قرابة المليونين شخص مع تشرد الآلاف في نواحي العالم المختلفة وحوافي مدن السودان الكبرى هي بلا شك خطوة شجاعة، كما لا بد لنا من الاٍشادة بتلك الخطوات في محاولاتها العنيدة للاٍمساك بوطن كاد أن ينفلق ويتفكك الى دويلات ومقاطعات واٍعادة بناءه على أساس الحرية والكرامة والتوزيع العادل للثروة والسلطة .
كل ذلك حسناً ، ولكن تلك الاٍنجازات المتوقع حدوثها سوف تفقد بريقها ،جديتها ، شفاهيتها وأهم من كل ذلك ضمان استمرارها ، لاٍفتقارها وفقدانها لعاملين أساسيين . العامل الأول هو تجاهل وعزل الفوى السياسية الأخرى في الساحة السودانية من المشاركة في المحادثات والثاني هو اٍغفالها بند المحاسبة والمسائلة .
وبما أن العامل الأول قد تناوله كثير من الساسة بالحديث والتحليل ولا زالت التعليقات حوله تملأ أعمدة الصحف القومية، سوف أقفز مباشرة لمناقشة العامل الثاني وهو ما يهمني على المستوى الشخصي وعلى المستوى العام . يهمني على المستوى الشخصي لأنني قد تعرضت مثلي ومثل آلاف المواطنين السودانيين لتجربة التعذيب وامتهان الكرامة والاٍضطهاد وتجربة التعذيب لا يعرفها حقيقة اٍلا من عايشها وأستعير تعبير الدكتور فاروق محمد اٍبراهيم في وصفه تلك التجربة ( هي الأشد مضاضة عند تحمل الأذى ورؤية جانيه) .
على المستوى العام ففي اٍعتقادي ان كل سلبيات السياسة السودانية وتكرارها بشكل -رتيب يفتقر الى اللماحة والذكاء- تأتى عن غياب المحاسبة والمساءلة من أجندة السياسة في السودان .
المتابع لسير المحادثات في كينيا ومناوراتها يجد أن كل الطرفين تحاشى اٍثارة موضوع المحاسبة والمساءلة وهو الموضوع المسكوت عنه تماما، وبما أن المجتمعين في نيفاشا لا يرون أهمية من اٍثارته ومناقشته سهواً أو قصداً فبالتالي يحق لأي فرد من أفراد الشعب السوداني مناقشته واٍثارته على الملأ طالما أن نتائج تلك المفاوضات سوف تلعب دوراً مهماً في تشكيل مستقبل الحكم ، الاٍقتصاد، والاٍجتماع في السودان وطالما أن ذلك الموضوع يمس ويتعلق بحقوق الآلاف من المواطنين في السودان .
بناءا عليه أحاول طرح بعض الأسئلة ؟؟ التي تحاشى المجتمعين اٍثارتها وهي على التوالي:
1/ هل يملك أي من الطرفين الحق في اعفاء أحد من المساءلة والمحاسبة عن أفعال ارتكبت مخالفة للقوانين والأعراف الوطنية والدولية ؟
2/هل المحاسبة مهمة وضرورية ضد أولئك المرتكبين لجرائم تقع تحت طائلة القانون الوطني والدولي .
3/هل يمكن التجاوز والتغاضي عن تعذيب الآلاف وتصفية المعارضين واستباحة أموالهم وعروضهم .
4/هل المحاسبة ضرورية لاٍصلاح اٍعوجاج تجربة الديمقراطية في السودان .
وبما أن الاٍجابة على كل سؤال منفردا يبدو صعباً لاٍرتباط كل سؤال بالآخر ساحاول الاٍجابة عنها مجتمعة .
ابتداءا لا بد من القول أن لا أحداً يملك الحق في اٍعفاء أحداً من المحاسبة والمساءلة وبكلمات أكثر تحديدا ودقة فاٍن الحركة الشعبية لا تملك الحق في اٍعفاء أحد من جرائم الحرب التي ارتكبت في واو وجوبا أو التصفيات العرقية التي تمت في جبال النوبة ودارفور والأنقسنا او حملات التعذيب وانتهاك الكرامة والتصفيات والاٍعدامات الجزافية التي تمت في الخرطوم .
اٍن نوعية الجرائم المرتكبة في زمن الاٍنقاذ ولا أخلاقيتها وحجمها والظروف التي ارتكبت في ظلها هي في تقديري ظروف مشددة للمحاسبة والمساءلة . اٍن ما وقع من جرائم قد تم بتدبير وتخطيط كامل وبرود أعصاب قتلة مع اٍصرار على تغييب وتصفية الآخر مع العلم الكامل بالنتيجة المتوقعة والمرجحة لأفعالهم ولهذه الأسباب لا يمكن تجاوز بند المحاسبة .
اٍن غياب المحاسبة في تاريخ السياسة السودانية هو السبب الأساسي في اٍعادة اٍنتاج أزمة الديمقراطية وتمادي السياسيين والعسكريين في تكرار الخطأ .
وبنظرة عجلى في تاريخ السياسة الحديث ابتداءا من حكومة عبود أول سلطة اعتدت على الديمقراطية مرورا بحكم نميري الأسود حتى سلطة الانقاذ (التجربة الأكثر مرارة) نجد أن منهج استئصال المعارضين وغياب المحاسبة هي السمة التي تميز ذلك التاريخ ويمكن رصد ذلك في الاٍعدامات التي تمت عام 1959 في كل من المقدم علي حامد والمقدم يعقوب كبيدة وآخرين وصعودا حتى اٍعدام 28 ضابطا في ظل سلطة الاٍنقاذ .
اٍن الشعب السوداني يجيد وضع الأشياء خلف الذاكرة ولكنه لا يسقطها وكثيرا ما يجترها ليتأكد من بقائها. اٍن التسامح مع من اٍرتكبوا جرائم في حق الآخرين وحق الوطن والمواطنين يعد تفريطاً وتنكراً لما تنادي به جماهير الشعب السوداني كما أنه في نهاية الأمر استخدام لحق من أشخاص لا يملكونه ومنحه لأشخاص لا يستحقونه .
اٍن ما قمت بطرحه ليس مزايدة ولا مكايدة كما يحدث عادة في السياسة السودانية ولكنها وجهة نظر متأنية بعد تفكير عميق في موضوع في غاية الأهمية يتعلق بتطور أمة وحقوق آلاف المواطنين . وحتى يأخذ الأمر حقه من النقاش والتناول أقترح الرجوع لآراء من تناولوا ذات الموضوع وأشير في ذلك الى رأي السيد الصادق المهدي وما طرحه من رأي حول (التعافي المتبادل) أو الرجوع لرأي العالم الدكتور فاروق محمد اٍبراهيم في مذكرته الرفيعة والاٍنسانية المقدمة للرئيس عمر البشير بتاريخ 13/11/2000 بعنوان (تسوية حالات التعذيب تمهيدا للوفاق بمبدأ الحقيقة والتعافي على غرار جنوب أفريقيا) وكلاهما قد مر بتجربة التعذيب .
في تقديري أن المحاسبة والمساءلة هي الوجهة الأخرى للديمقراطية وهما الكفيلان باٍعادة التوازن للسياسة السودانية هذا على المستوى السياسي العام أما على المستوى الأخلاقي فليس من العدل أن يفر الجاني بجريمته ويفلت من العقاب .
13 اكتوبر 2003